خطبة جمعة موحدة في قصر غرداية

مجلس أعيان الميزابيين الإباضية لقصر غرداية
لجنة الوعظ والإرشاد
خطبة جمعة موحدة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الكبير المتعال، المتفرد بالعظمة والجلال، له الحكم في الأولى ويوم تمور السماء وتسير الجبال.
سبحانه جعل الحياة دار كدح وابتلاء والآخرةَ دار ثواب وجزاء، فإما رضوان ونعيم، وإما عذاب مقيم.
وأصلّي وأسلم على حبيبه المصطفى، والراشدين من الخلفاء، وصحابته الذين بايعوه على النصرة والوفاء ومن سار على هديهم واقتفى.
أما بعد، فيا أيها المؤمنون، المصدقون بيوم الدين.
أوصيكم ونفسي بتقوى الواحد الديّان، تحرزوا النصر في كل ميدان، وتَفُوزُوا في كل امتحان (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون) آل عمران: 102
واعلموا أحبِّةَ الإيمان، أن التقوى أعظم ما يُحرِز الإنسان، إنها الحكمة الجامعة وهي:
رأس الأمر، – وجماع الخير، – وباب الرزق، – وسبب النصر، – ومصدر القوة، – وسلم العزة، – ودليل السعادة، – ومفتاح الجنة.
فطوبى لمن ملك هذا المفتاح، وحقق به أعظم فوز وأحلى نجاح.
(كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) آل عمران: 185
وأنعِمْ بها بشارة يتلقاها المتَّقُون، حين يؤْتَوْنَ كتابَهم عن اليمين، ويتبَوَّؤُون مقامهم في جنات مكرمين: (و لنعم دار المتقين، جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين، الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ) النحل: 30
أيها السادة الفضلاء:
من المقرر عند العقلاء، أن لكلِّ سلعة ثمَنًا، فالجيِّدُ منها غال نَفِيس، والرديءُ مِنها بَخْسٌ رَخيص. وثَمنُ كُوخِ مُتَدَاعٍ مُنهار، لا يقارن بثمن قصرٍ تُحيط به جناتٌ وأنهار، ومن أراد سكنى القصور والبساتين، لَزِمَتْهُ أتعابٌ وكَدٌّ بعرق الجبين وصبرٌ جميلٌ قد يمتدّ عَدَدَ سنين.
و من المقرر عند المؤمنين، أن قيمة الدنيا في ميزان الآخرة شيء مَهين:
(فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) الشورى :36
وتعلمون علم اليقين، أن جنة الخلد أعدت للمتقين، وهي سلعة غالية، تقتضي تضحية وصبرا جميلا، صبرا على طاعة الله في الرخاء، وصبرا على تحمل الابتلاء، وثباتاً في الضراء، ورجوعا إلى الله كل حين، وبخاصة عند اشتداد الكرب في بعض الأحايين.
وما أَصابَنَا من ضُر هذه الأيامَ الشِداد، امتحانٌ من الله للعباد، حتى يَبْلُوَ إيمانَنا، ويَجْلُوَ قلوبَنا، ويكشف حقيقةَ الإيمان، ويَمِيز الصادقين، من المدَعين والمنافقين:
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه، متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) البقرة 214
لقد كشَفَت الفتنةُ التي أصابتنا عن جواهِرَ كريمة، وحَوَت في مطاويها مِنحًا عظيمة، ومنها قيمة الرجوع إلى الله، وأثر الاستمساك بالله.
فحين تضرعنا إلى القوي المتين، حقق لنا وحدَه النَصرَ المبين، وهدى سفينتنا بفضله إلى شاطئ أمين، ونجانا من الهول بعد الكرب العظيم. وكنا قبلُ في هم مقيم: (كظلمات في بحر لُجّىٍ يغشاه موج من فوقه، موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض ) النور: 40
أجل، لما فَرَرْنا إلى الله أَبْصَرْنا طريقَ الخلاص، وصدَقَنا الله وعْدَهُ حين علِمَ منا الإخلاص، وأشرق علينا فجر الأمن الجديد، بعد ليل من الرعب شديد:
(و لينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز) الحج: 40
إن كل مؤمن صادق له عقل رشيد، يؤمن بضرورة الحفاظ على هذا النصر والتأييد، وملاك هذه المحافظة في مراجعة أحوالنا والأوبة إلى الله في السر والظاهر.
إننا بَشَرُ نخطئ ونصيب، ولنا خطايا وذنوب، ولكن رحمة الله تسَعُ بفضله كل أوابٍ مُنِيب، فلنتدارك تفريطنا في جنب الله، وتقصيرنا في حقوق عباد الله، والدِين كانوا أم أقاربَ و أرحاماً، أم مُعَاشرينَ و جيراناً. أم خلطاء وشركاء وأعوانا.
ولنسائل أنفسنا بصدق وإعتراف، هل وفَّيْنَا الأرحام حق الصلة والإنصاف؟، وهل حاذَرْنا عواقب البغي بين الخلطاء، والعدوان بين الشركاء، والإجحاف بحق الأجراء؟
وأنت أخي التاجرَ والعاملَ والصانع، والموظفَ والمُزارعَ، هل تَحريت في كسبك الحلال، واجتنبت الربا والغش والاحتيال أم أغراك تكديس الملايين فانتهزت غفلة الرقباء والمسؤولين، ونسيت رقابة رب العالمين، وأنه تعالى طيّبٌ لا يقبل إلا طيّباً، وأن الكسب الحرامَ مَمْحَقةٌ للبركة، ومِعْوَلٌ يَهُدُ حصن الأمان، ويستوجب غضب الرحمان؟.
أحبّتي في الله، لِيُراجِعْ كُلُّ واحدٍ منّا حساباته مع الله، قائلا: ربما كانت معصيتي سبباً لمَا نزل من البلاءِ، ولْيُسارِعْ إلى التوبة والاستغفار، قبل أن يَبْغَتَهُ منادي الرحيل، فلا يجد فرصة لتوبة ولا قضاءً لحقوق الله، ولا مسامحةً أو ردَّ مظلمةٍ لعباد الله.
أَوَ لَمْ يَخْتَضِرْ الموت فِتيةً بيننا في هذه المحنة كانوا في عمر الزهور، وما كان يخطر ببالهم أن يصبحوا في عداد الراحلين؟ ولئن استُشْهِدُوا دفاعاً عن حرمات المسلمين، فما يدريك أخي، رحيلك متى يكون؟ و كيف يكون؟.
وياويح من أعماه زخرف الدنيا وغره بالله الغَرور، ثم فتح عينيه على الحقيقة بين القبور، حينها يدعو في حسرة وثبور:
(رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها و من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون، فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، فمن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون.) المؤمنون: 99-103
تلك سادتي الأماجد، أجل ما نغنم من الفوائد، بعد هذا الامتحان، بها يستقيم سلوكنا، وبها تصلح الأحوال، ويكرمنا ربنا رغدا نكون فيه آمنين، ويكرمنا طمأنينة ومتاعا إلى حين.
فيا أحبة الإيمان (اسغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدراراً، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً) نوح: 10_12
أقول ما تسمعون ويغفر الله لي ولكم، فسبحوه بكرة وأصيلا، واستغفروه يغفر لكم ذنبا جليلا، واسألوه تجدوه كريما جزيلا.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين.
أحبةَ الإيمان، وجنودَ الأوطان في هذه الأيام الشداد، تحيةُ صادقةُ، ودعاءُ خالصُ بالمثوبة، لكلّ من ضحىّ في الذَّوْدِ عن الحرمات، وجاهد في الله حق الجهاد.
لقد كشفَتِ المِحنةُ عن رجال مخلصين، وشبابٍ غيورين، وجنودِ خفاء في مختلف الميادين، لا يعلمُ أحد مقدارَ ما قدموا من عطاء بسخاء، وتضحيات في الظلِّ بعيداً عن الأضواء، وهم لا يريدون أن يعلم بهم أحد، أو يقامَ لهم احتفال ورفع أعلام، أو يشيد بهم صحفي أو رجال إعلام، ورجاؤهم الوحيد، حسن الثواب من الكريم العلاّم.
هؤلاء نعمة لهذه الأمة ومكرمةٌ مَنَّ الله بها، وجب علينا شكرُها وتنميتُها، بالدعوة لمواصلة العطاء، والاجتهادِ في البذل في الشدة والرخاء، والسعي لمحاربة داء الرياء وحب الظهور. ويا ويح العاملين من هذا الداء الذي يقصم الظهور، ويبدّد الجهود في بيداء الغرور.
أيها الشباب المرابطون، اعتصموا بحبل الله مجتمعين. واستمسكوا بوحدة الصف أجمعين، واحذروا خطر التنازع فيفضيَ إلى الفشل وذهابِ الريح، (وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين) الأنفال :46.
إن الاستمساك بحبل الله يتجلى في الاستمساك بوحدة الصف، والإنقياد لرأي الجماعة، وعدم الاستبداد برأي الفرد.
وهذه هيئاتنا العرفيةُ، وأنظمتُنا الاجتماعية، تراثُ حضاري رائد، هو بحاجة إلى داعمٍ ومُسَانِد، وإلى تطعيم وتشبيب، وتهذيب وتذهيب… حتى تغدوَ ناصعة فاعلةً مؤثرة.
وأنتم أيها الشباب دروعُها وعِمادها، وبكم تعلو صروحُها وتعمُر ربُوعها. وهي تنتظركم فاغْشَوها، وأحْيُوها بالتضحية والإخلاص لله، تكونوا بذلك دعاة إلى دين الله، وهداة للبشرية الحائرة في متاهات الحياة.
شبابنا المقبلين على الحياة، هذا عصركم عصر الإعلام والفضائيات، والإعلام أحبتي الكرام، سلاح أمضى من القنابل والمدافع، وعليه يراهن الناس في كسب المواقع.
وأساسه الكلمة المعبرة والمشهد الناطق، ينقله الأثير إلى كل البقاع والمناطق، فيفعل فعله في كسب الرأي العام، وتحديد المواقف وتوجيه القادة والعوام.
وما أكثر هذه الوسائل وما أيسرها هذه الأيام، فهي في متناول كل إنسان، بها يوصل الفكرة والخبر، والصورة والأثر إلى كل البلدان، بلا حاجز ولا استئذان.
وقد رأينا استباق المرجفين والمتاجرين والانتهازيين، إلى استغلال هذه الوسائل والقنوات، لمآرب دنيئة مكشوفة للعيان، فكم أوقدوا بها من فتن ونيران، وكم مزقوا من شعوب وأوطان.
والواجب على صاحب الحق أن يسابق إلى توظيف هذا الأسلوب الفعال، بيانًا لحقه المشروع وردَّا لكل افتراء وتزوير وانتحال.
أحبتي السامعين الكرام، وشبَابَنا السبَّاح في محيط الإعلام، عبر النقال والانترنت والفضائيات، ليكن دينُك لك عنوانا، وحساب الله لك ميزانا. واستذكر قبل كل كلمة تخطها أو ترسلها، أن ثمة تسجيلا دقيقا لا يغفل ولا ينسى ولا يحيد:
(إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ق : 17-18
فاكتب أخي الكلمة التي تبني ولا تهدم، والخبر اليقين لا الإشاعة الكاذبة، ولا تسارع لنشر كل ما تسمعه أذناك، فقد قال الحكماء (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما يسمع) واحذر السباب والفحش والبذاء، فما ذلك من شيم المسلم النبيلة، ولا من سلوكنا الحضاري، ولا مِن أخلاقنا الأصيلة.
غرد في التويتر تغريدة ساحرة، حكمةً ترسلُها أو نصيحةً أو خاطرةً، وروّحْ عن النفوس كالطير في الرياض الناضرة، وسجل في الفايسبوك ما يفتح القلوب، فإن أفاد إسهامك الناسَ رَضوُا عنك وأَحبُوك، ودع ما يشين ويُهين، فيلعنوك ويسبّوك.
واستذكِرْ تعاليم رسولنا صاحب الخلق العظيم: إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالاً، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخط الله، لا يُلقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم.
وما أجمل ما كتب بعض شبابنا النابهين في هذه الصفحات والمدونات من الروائع، بيانا لحقائق تاريخ أمتنا الناصع، وتحليلاً للأحداث بأسلوب ماتع، وتوجيهاً للناس إلى خير جامع، وتحذيراً لهم من شر واقع.
فليكونوا قدوة ودليلا، والدال على الخير كفاعله، وذلك أبلغ أثرا وأهدى سبيلا.
اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأفعال، واحفظنا من زلات اللسان ونزغ الشيطان، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، يا أرحم الراحمين.
اللهم فرج كربتنا واكشف غمتنا، ووحِّد صفوفنا، واجمع كلمتنا على الحق المبين، وانصرنا على الباغين والظالمين والمهمومين، واشملنا برحمتك الواسعة يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعل بفضلك كلِمَتِي الحق والدين. واجعل بلدنا رخاء سخاء وسائر بلاد المسلمين.
آمين آمين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.



