أنفاس قلم

أنفاس قلم (5): الإعلام الجماهيري وصناعة النّماذج التحليلية

يُعتبر امتلاكُ مفاتيح التّحكم في الإعلام في زماننا الحالي أحد أقوى الأسلحة الفتّاكة، والدَّفة التي تُمكِّن ممسِكها من توجيه باخرة الأحداث إلى يابسة أهوائه وأهدافه، ولثِقل وزنها في ميزان التّحكم بالرأي العام فإنّ الدَّارين بخطورتها في سباق دائم مع الزّمن بغية إيجاد القالب الأمثل لزرع إيديولوجياتهم وأفكارهم عبرها، وهنا يأتي مفهوم الإعلام الجماهيري والذي عرّفهُ المفكّر علي عزت بيجوفتش رحمهُ الله على أنّه هيكل مبني على طرفين، الأوّل يتمثّل في مصانع إنتاج البرامج وبثّها، والثّاني يرسُم جموع المشاهدين الجماهيريين السّلبيين الذين جفّت ينابيع الشكّ والسّؤال في نفوسهم، وغدت عقولهم آلات استهلاكية تبتلعُ دونما تمحيص كلّ ما تسمعُه وتشاهِده، بعد أن خدّرها التّكرار الآلي للحقن الإخبارية وعاث في فكرها خرابًا إيهامها بأنّ المدارك والاعتقادات التي تتلقّفُها من التّلفاز والرّاديو ومواقع التواصل الاجتماعي…، هي نتاجُ آرائها وأفكارها الخاصّة.

وقد عاينتُ لما يقرُب العامين ظاهرةً مستفشيةً في المُجتمع الأمريكي خاصّة والغربي عامّةً، وليسَ ما شدّني فيها طبيعتُها في ذاتها بل تلك الموجةُ الإعلامية الهائجة التي رافقتها وقوَّت جوهرهاَ، أمّا عن الظّاهرة فهي والعياذ بالله قضيّة المثلية أو الشّذوذ الجنسي، والتي تبيّن الإحصائيات أنّها في ارتفاع مستمرّ ومخيفٍ، وعدواهاَ تفتّك بالمقاطعات والبلدانِ الغربية بشكلٍ رهيب، ولا يُنكر المرءُ علاقة انتشارها بطبيعة الإنسان الغربي وفكرِه، غير أنّ ما سأركّز عليه هنا هو الصخب الإعلامي الذي احتوى هذه الظّاهرة، فبالرغم من أنّ الدين المسيحي يعترض على هذا المنهج اللاّ طبيعي ويعتبر فِعله كسرًا للقانون الإلهي وفاعله آثمًا ومذنباً إلاّ أنّ الدّاعين لهذا السّبيل قد وُفّقوا لجعلِ الزّواج بين نفس الجِنس أمرًا مشروعًا في أكثر من 16 دولةً، ففي أمريكا وفي مدّة لم تتجاوز الأربع سنوات أصبح من الاستحالة أن تَخلوَ أنجحُ المسلسلات الاجتماعية والكوميدية والسّياسية من مشهدٍ واحدٍ على الأقلّ تُعرض فيه بطريقة بريئة هاته الظّاهرة تحت مسمّى “الحبّ لا يعرِف القيود”، وفي حفل “الغرامي” لهاته السّنة والذي يُعرف بأكبر ليلةٍ للموسيقى، نظّم القائمون عليه مراسيم زواج أشخاص من نفس الجنس تحت بركةِ ما لا يقلّ عن 28.4 مليون مشاهدٍ حول العالم، وسأستنزفُ مِدادَ قلمي إن أناَ انطلقت في سرد عناوين المقالات الغربية في هذا الصّدد وكأمثلة لذلك: شخصٌ متّهم بأنّه يحمل فوبيا ضدّ الشّواذ/ إحصائيات تبيّن أنّ الأولاد النّاشئين مع والدين من نفس الجنس هم أكثر انفتاحًا وسعادةً/…

عند الوقوف على هذا النّزيف الإعلامي الخطير الممهّد لانتشار الميوعة وانحطاط الخلُق، نجِد أنّ المبتغى منهُ بات جليّا و واضحًا، ألا وهو صقل نماذج تحليلية متعاطفة مع هذه القضيّة (وهي مثالٌ واحدٌ من بحر من الأمثلة) وإلصاقها بالأفراد المخدّرة عقولُها والميّتة قلوبها، ليحملوا هم تِباعًا همَّ نشر هذا الفكر الفطريّ السّام، ويكونوا حماة إيديولوجيةٍ أصابتهم عدواهاَ حين استسلامهم لوسائل الإعلام المختلفة.

فحاذِرْ أخي وتفطّن، ولا تكُن من أولئك الذين يضعون أدمغتهم جانبًا ويُقفلون على قلوبهم حين جلوسهم للتنويم الإعلامي الذي يحيطهم، واعقدْ مع الكتاب عهدًا أزليًّا سيُنجيك بإذن الله من أن تكون حاملاً لنماذج تحليليّة مزيفة ومستعارة.

عمر بن إبراهيم بوغالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى