ذاكرة مزابواحة المعرفة

زيريزا.. رفيقة المسافر وذاكرة المائدة المزابية

عبر العصور، ظلّت الأكلات التقليدية ترسم ملامح الهوية الثقافية وتجليات الدلالة اللغوية، حيث تحمل في مكوناتها ومذاقها حكايات من الماضي العريق، وتجسد معاني الصبر والتحايل على قسوة الحياة.

في المطبخ المزابي، تتوارث الأجيال أكلات تقليدية تمثل جزءًا من الهوية الثقافية والتاريخية للمنطقة، والبعد اللساني للغة المنطوقة، حيث تعكس هذه الأطعمة تفاصيل الحياة اليومية، وتعبر عن الصبر والمعاناة التي مر بها الأجداد في مواجهة صعوبات العيش.

ومن بين أبرز هذه الأكلات التي حُفرت في الذاكرة الجماعية للمزابيين، نجد زيريزا، تلك الأكلة التي ارتبطت بالأسفار، والصيام الأول، وموائد رمضان، بل وامتدت لتصبح زاد المغتربين وعون المحتاجين.

ما هي زيريزا؟

زيريزا رفيقة الدرب للمسافر والمغترب، وهي زاد الفتى في أول صيام له، تملأ معدته بالطاقة وتعينه على الثبات. تُعدّ زيريزا من الأكلات الأساسية على مائدة رمضان لدى بني مزاب، نظرًا لما تمنحه من طاقة وقيمة غذائية عالية. كما كانت في الماضي الغذاء المفضل للمسافرين، إذ تتميز بطول مدة صلاحيتها و القدرة على مقاومة الجوع والعطش.

تُحضَّر زيريزا من مكونات بسيطة لكن ذات قيمة غذائية كبيرة، حيث تتكون من تمر معجون (تيني)، والإقط (لكليلة)، (إكراين)¹، والسمن (أودي)، وهناك من يضيف إليها السميد المحمّص (يورف). زيريزا بالدارجة الرفسة، او الرفيس من الرفس اي العجن و الخلط، وغالبًا ما يقع اللبس بينها وبين تازمّيط، التي تكون جافة ، أقل دسامة من زيريزا، حيث تعتمد تازمّيط أساسًا على السميد المحمّص²، وهو ما قد يكون أصل تسمية “زيريزا”، نظرًا لقربها من لفظة **”أزرزا/أزرزاي”**³، الدالة على اللون الذهبي الفاتح.

يفضَّل تحضير زيريزا بأنواع معينة من التمر، خاصة ذات اللون الفاتح، القريب من الأصفر مثل ولت تقبالا، إغس أوتشيضن، أو تزرزايت، لما تضفيه من نكهة مميزة. تُعجن التمور بعد نزع نواها، ثم يُضاف إليها نصف مقدارها من السميد المحمّص، مع الإقط (إكراين)، وتُمزج المكونات جيدًا في وعاء خشبي (تزيوا). بعد ذلك، يُذاب الدهن أو الزبدة على نار هادئة، ثم يُسكب تدريجيًا على الخليط، ويُخلط برفق باستخدام راحة اليد وأطراف الأصابع حتى تتجانس العجينة وتصبح طرية. السمن هنا ليس مجرد مكوّن، بل هو سرّ يمنح زيريزا رائحة زكية لا تُقاوَم.

زيريزا في العادات والتقاليد

لزيريزا أبعاد اجتماعية وثقافية عميقة. فهي تُقدَّم في وجبتي الإفطار والسحور، نظرًا لقدرتها على سدّ الجوع وإطفاء العطش. كما تُحضَّر في فصل الصيف بمناسبة تظاهرة “أعمار”، حيث ينزح الناس إلى الواحة، وتُهدى بين الأصهار في السنة الأولى من الزواج، إلى جانب خبز (أغروم نوفا) والبيض المسلوق. أما الطفل الذي يصوم لأول مرة، فتحضر له أمه ثلاثين كرة من زيريزا (تيكضورين)⁴، كتشجيع له وتعزيزًا لقيمة تعظيم شعائر الله، فهي تمنحه الطاقة وتساعده على التحمل دون أن يشعر بالجوع سريعًا.

قصة زيريزا في الحرب العالمية الثانية ⁵

ومن الطرائف التي تُروى عن زيريزا، قصة أحد المزابيين الذين أُخذوا للمشاركة في الحرب العالمية الثانية عام 1939 ضد القوات النازية. حمل معه علبة من زيريزا، وحين اشتد الجوع بالجنود الفرنسيين، أخرجها وأكل منها. فسأله أحدهم:

ماذا تأكل؟

“زيريزا”

تعجب الفرنسي وقال: Qu’est-ce que c’est que ça?

وبعد ساعات من الجوع، عاد إليه الفرنسي يترجاه قائلاً:

Donnez-moi un peu de ZIRIZA s’il vous plaît!

ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا الموقف يُضرب به المثل في وصف من يتخيّر بين النعم لكنه يضطر للقبول بما يجد عند اشتداد الحاجة.

زيريزا في الأغنية المزابية

لم تكن زيريزا مجرد أكلة تتناقلها الأجيال، بل تحولت إلى رمز نوستالجي في الأغنية المزابية. ففي أواخر التسعينات، أطلقت فرقة أوتشيدن أغنية “زيريزا”، التي ألّفها سليمان سعودي، أحد أبناء بريان، عندما كان طالبًا في الجامعة. تحمل الأغنية رسالة عميقة رغم بساطة كلماتها، حيث تعبر عن لسان حال كل من عاش الغربة، سواء بسبب الخدمة العسكرية أو العمل بعيدًا عن الأهل.

إضافة توضيحية: ما الفرق بين تاكضورت ، زيريزا، تازمّيط؟

يعتقد البعض أن تاكضورت تختلف عن زيريزا أو تازمّيط، لكنها في الحقيقة ليست أكلة مستقلة، بل هي مجرد طريقة لتشكيل الأكلة نفسها. عندما يُؤخذ مقدارٌ من زيريزا أو تازمّيط، ويُجمع باليد ليأخذ شكلًا كرويًا، يُسمّى تاكضورت، تمامًا كما يُطلق على القِدر اسم تايدورت وقد تنطق تاڨدورت في بعض التنوعات اللهجية الأمازيغية ، و مرادفها تاكبوشت، وهو قريب أيضًا من لفظة “كعبوش” التي تُستخدم في بعض المناطق للإشارة إلى نفس شكل الأكلة.

إذن، تاكضورت ليست أكلة منفصلة، بل هي طريقة تقديم زيريزا أو تازمّيط على شكل كرات، (من هنا وقع الخلط) ، مما يجعلها سهلة التناول، خاصة للأطفال أو المسافرين الذين يحتاجون إلى حصص غذائية مضبوطة وسهلة الحمل.

الهوامش:

¹ الإقط (إكراين): هو اللبن المجفف أو ما يُعرف بالكليلة في بعض المناطق الجزائرية، ويُستخدم في إعداد العديد من الأطباق التقليدية لاحتوائه على قيمة غذائية عالية.

² تازمّيط مشهورة لدى الأمازيغ وسكان شمال إفريقيا، هناك من يضيف لها حبوب اخرى مثل الشوفان تُعرف في بعض مناطق المغرب بـ “زامبو/ازمبو”. يعتقد أن أصل الكلمة من فعل “ژم”، أي ضم الشفتين أثناء الأكل أو الامتصاص، وهو ما قد يرتبط بطريقة تناولها أو امتصاصها للدسم.

و ورد ذكرها في كتاب:

Étude sur le dialecte berbère des Beni-Snoûs – Volume 1 – Page 280، طبع سنة 1909.

³ “أزرزا/أزرزاي”: لفظة أمازيغية تعني اللون الذهبي الفاتح، كما تعني نوعًا من التمر. كما تشير إلى مرض الجدري الذي يصيب الأغنام والماعز، حيث يظهر على الجلد بشكل نتوءات، وهو ما يشبه شكل زيريزا المحمصة. ربما تكمن العلاقة في النتوءات او البقع التي تكون على جلد المصاب.

⁴ تيكضورين: تُطلق على الكرات التي تُشكّل ملء الكف، من زيريزا أو تازمّيط، وقد ذكرها Jean Delheure في قاموسه “المزابي-الفرنسي”، صفحة 92.

“TAKḌURT: نوع من الأطعمة الحلوة المصنوعة من سميد القمح، الزبدة المذابة، قطع صغيرة من الجبن الصلب، والتمر المجفف والمطحون، .وتُعد غذاءً للأطفال والمسافرين.”

والعلاقة بين تاكدورت و الكعبوش هو في الشكل ، كل المعنين لهما صلة ب تاكبوشت

و تايدورت وتنطق تاڨدورت في بعض التنوعات اللهجية الأمازيغية.

⁵ نقلاً عن منشور من صفحة زميلي محمد البرياني بتاريخ 30 افريل 2017.

يوسف لعساكر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى