رسالة التعليم بين التكليف والتوظيف

“أن تعلم لا يعني أن تملأ إناء بل أن تشعل نارا”
جملة استوقفتني كثيرا لما تحمل من معاني عظيمة وجب على كل معلم أن يدرك معناها لأنها ببساطة تفسر حقيقة التعليم الذي هو تكليف ومسؤولية قبل أن يكون وظيفة فالتعليم لا يعني أبدا التلقين وحشو العقل بالمعلومات إن لم يكن هناك فرز وتحليل واستيعابللمادة المعروضة، بل رسالة التعليم هي أن تشعل نارا في عقل المتعلم نارا من التساؤلات نارا من الفضول التي لا تجعل صاحبها يهدأ إلا عندما يغذيها بمزيد من الإجابات عندما توقد الشرارة الأولى من هذه النار في داخل المتعلم فإن هذا سيفتح شهيته لمزيد من الاشتعال ومزيد من التوقد الذي ينير لصاحبه السبيل نحو آفاق أوسع وفضاءات أرحب وبالمقابل إذا أهملت هذه النار في داخل المتعلم فستخمد حتما وتموت الجذوة داخلهفلا حرقة اتجاه التحصيل والاستزادة وإنما مسايرة جافة للمقررات و الاستسلام التام لما يشحن عقله به من معلومات دون تحليل ولا هضم.
النار التي يمكن أنتكون الوقود الذي يدفع صاحبه إلى اكتشاف جوانب مظلمة من حوله فرسالة التعليم لا يمكن بحال أن تقتصر على مجرد إعطاء دروس باردة خالية من أية استثارة لدوافع الكمون والحرقة المحركة في داخل المتعلم ليكون تعليمنا إنسانيا*، يحمل قيم الإنسانية ويزرعها في نفوس المتعلمين ويورثهم حرقة في قلوبهم وقلقا معرفيا وتوترا إيجابيا نحو الحركة والفاعلية ،وليس تلقينا مجردا من أية محفزات نحو قلق السؤال والحركة والفاعلية.
يخضع الطالب غالبا طوال مسيرته التعليمية لمجموعة مقررات تلقن له ،ويختلف أسلوب التلقين من معلم إلى آخر فالمعلم الذي يعتمد في تدريسه على التلقين فقط دون إعطاء فرصة للمتعلم في النقد والتحليل وفرز ما يقدم له من الدروس على أنها مسلمَّات لا تقبل الرد والنقاش، عكس المعلم الذي دائما ما يترك فرصة لإثارة تساؤلات حول ما يطرحه حتى لو كان مسلَّما به ليعيد المتعلم صياغة وبناء أفكاره الخاصة وفق ما يعرض له بعد استيعاب وفهم وتحليل للموضوع المطروح عليه، فإعطاء المتعلم الفرصة في تقديم طروحاته وآراءه حول الموضوع خارج السياق المعتاد يكسبه القدرة على تحليل ونقد كل ما يعرض له حتى خارج المنظومة التعليمية حيث أنه لا يمكن أن يتقبَّل ويسلِّمبكل ما يعرض عليه سواء ما يعرض له في مقرراته المدرسية أو حياته خارج أسوار المدرسة ،بعكس الطالب الذي يسلِّم بكل ما يعرض عليه من أفكار دون القدرة على النقد والرد وتقديم الرأي الخاص حوله.
طريقة التلقين الخالية من المشاركة والتفاعل داخل الفصل الدراسي تقتل نار التساؤلات في عقل المتعلم ،بينما الخروج عن سياق التلقين الجاف للمقررات يوقد في المتعلم تلك النار التي تمدُّه بالقدرة في صنع رأيه الخاص له وبناء أفكاره وآراءه حول كل ما يعرض له حتى يستطيع التفكير خارج الصندوق لا داخله،وفي هذا يقول المفكر علي عزت بيجوفيتش(إنَّ المدرسة مكوّن أساسي من مكوّنات الثّقافة ، إنها تساهم في الثقافة إلى درجة لا تجعل منها مجرد تدريب على الطّاعة والنّظام لأنّها تنمّي التفكير النّقدي، وتسمح للإنسان بالحرية الرّوحية، أما المدرسة التي تقدم حلولا أخلاقية وسياسيّة جاهزة، فإنها تعتبر من وجهة نظر الثقافة مدرسة همجية لأنها لا تخلق أشخاصا أحْرَارًا بل أتبَاعًاإنها قد تدعم الحضارة لكنها تحط من شأن الثقافة)**.
أسماء نور الهدى
* بتعبير د. محمد باباعمي
** الاسلام بين الشرق والغرب علي عزت بيجوفيتش



