هل يصبح عمر فاروقا؟

كان من أسوء تلاميذ قسمه سلوكا لكنه كان أحسنهم تحصيلا للعلم، اختار له أبوه اسم “عمر” تبرّكا بثاني الخلفاء الراشدين، مشاكساته في المدرسة كانت تسبّب لمن حوله إزعاجا منقطع النظيرـ على صغر سنه الذي لم يتجاوز العقد والنصف ـ إلا أنه كان خاتما للقرآن الكريم وحافظا لمائة حديث صحيح لرسول الرحمة صلى الله عليه وسلَّم ومطّلعا على سيرة الخلفاء الراشدين، حيث كان أبوه حريصا على تعليمه وتلقينه الأخلاق الإسلامية الراقية فكان يُبهر معلّميه في الامتحانات الرسمية بإجاباته الواضحة الوافية، فرتبته في القسم لا تنزاح قيد أنملة عن المرتبة الأولى، فتمثّل بذلك المقولة الشعبية القائلة: “خذوا علمي ولا تأخذوا عملي”.
عدد التنبيهات وإشعار الولي بالحضور لقضية أخلاقية متعلقة بعمر فارق كل معقول، ففقد عقله ليضع طاقم المدرسة أمام الأمر الواقع قائلا: أعرف بأنه ابني وأتحمّل مسؤوليته أمامكم وأمام الله تعالى، لذلك أنا حريص معه أشدّ الحرص على أن ينال المراتب العليا فأسهر معه الليال الطوال وأزوّده بأحسن المراجع والكتب في شتى المراتب، وليس ببعيد عنا نجاحه في شهادة الابتدائي والصيت الذي أذاعه للمؤسسة بحصوله على أحسن معدل في الولاية، لذلك أرجو أن تتغاضوا عن سلوكاته.
من جميل الأقدار وغريبها أن تتزامن هذه الزيارة لوالد عمر وحديثه الصادم للطاقم التربوي عن الابن عمر في فترة مجالس الأقسام الدورية فكان من الطبيعي أن تكون قصته حديث العام والخاص في المدرسة. وفي مجلس القسم تفرّق الأساتذة في أمره، صف اعتبر نجاحه الدراسي حاجبا لرسوبه الأخلاقي، والصف الآخر اعتبر أنّ رسوبه الأخلاقي يَجُبُّ معه كل نجاح تحصيلي، واستمرّ النقاش وما كاد ينتهي بنتيجة سوى تشبّث كل طرف بوجهة نظره، ومن بين الحاضرين جلس أستاذ اللغة الأجنبية مشدوها من الأمر الواقع وقد طالع لتوّه “رسالة الأحزان” لسيد قطب -زيّن الله ثراه- التي فهم من خلالها كُنه البحث في الأعماق عن المعدن النفيس للإنسان وما أدراك ما الإنسان؟ وهو الذي قال عنه رب العزة: {ولقد كرَّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} فوقف بحزم أمام الأساتذة قائلا: لتكن قضية التلميذ عمر قضيتي الشخصية، لذلك آمل منكم منحي فرصة حتى أحاول معه عليّ أنجح فنفوز فوزا عظيما، في ذلك الحين لم تكن أمام الأستاذ علي أي خطة تربوية أو خلطة سحرية تجعل من عمر تاجا يزيّن المدرسة بعلمه وأخلاقه ويكون أمل الأمة المنشود.
عاد الأستاذ علي إلى بيته مسرعا ففتّش في مكتبته عن كتاب يروي ظمأه فاستثاره عنوان بديع هو “أرباب المستوى” فاعتبرها إشارة ربانية تساعده في بحثه، فقال مادمت أبحث عن شيء يسهم في رفع مستوى ابني عمر فلا بدّ لي من مطالعة هذا الكتاب. قرأ جزءً معتبرا من الكتاب فأثارت حقيقة أوردها الكاتب عن المفكر مالك بن نبي شجنا كبيرا في نفسه حين قال: ”إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة، وهو لا يفكر ليعمل بل ليقول كلاماً مُجرداً” وقد شرحها وعرّفها صاحب كتاب أرباب المستوى الدكتور محمد باباعمي بـ”حركية الفكر والفعل” فجال في خاطره التلميذُ عمر النابغ في علمه وغير المنتفع به في نفس الوقت ليقف مذهولا بعد برهة من الزمن مخاطبا نفسه: “أو ليست مشكلة كل العالم الإسلامي ممثلة في الابن عمر؟ ما أكثر ما سمعنا عن الإسلام وخلافة الله في الأرض بعمارتها ونفع الخلق لكننا نحن المسلمون تأخرنا عن الركب وصِرنا عبئًا على الآخرين ولم نعد نقدم للإنسانية شيئا يذكر.
قصد الأستاذ علي المدرسة باكرا ككل يوم ينعم فيه الله على عباده بطلوع الشمس من مشرقها آمنين هانئين، فشكر الله على آلائه، وفي الطريق لم ينزح عمر عن تفكيره قيد أنملة، فانتظره أمام باب المدرسة ليغتنم الدقائق المعدودة التي تسبق جرس الدرس، وما إن نزل من الحافلة حتى ناداه الأستاذ فتوقف عن ضرب زميله وسعى إلى الأستاذ مسرعا: صباحك سعيد أستاذي، صباحك أسعد ابني العزيز عمر، أود أن أسألك سؤالا فهل لي بالإذن؟ هذا جميل منك أستاذي، تفضل أجاب عمر…
• هذه القصة لم تكتمل بعد فصولها وهي محاولة لتوظيف بعض المنطلقات التي فتح الله بها على المشاركين في “معتكف تحرَّوا رشدا” لأساتذة المدرسة العلمية.
رستم باعمارة
المصدر: فييكوس نت



