من وحي القلمواحة المعرفة

الخصوصية الـمُنتجة أم الأقلية المشكلة؟

بعدما فكَّر وقدَّر، قال أحدهم: إن الحلَّ النهائي لأزمة غرداية يكمن في القضاء على الخصوصية الموجودة وأن يدخل الكل تحت رقابة الدولة؟

الأكيد أنه لا يوجد في غرداية من هو خارج رقابة الدولة إلا عصابات العقار والمال الفاسد التي تنشط غالبا تحت عباءة الإدارة مثل ماحدث في  فضائح بنك الخليفة وسوناطراك، أو مافيا المخدرات التي تنشر الفساد والموبقات وتجني الأموال.

محاولة النيل من الخصوصية الموجودة في المنطقة ليست جديدة ولا وليدة اللحظة، إنما هي إعادة إنتاج لنداءات قديمة غابرة في عهد الأحادية، مثل تقرير ومطالب اتحادية الحزب في غرداية في تقرير الشؤم في أوت 1967، وليس منطلق ندائهم حب الوطن ولا مصلحة المنطقة، بل منطلقهم لهف السيطرة على الأرزاق وتوزيع الفقر وتوزيع العآلة والتبعية والاتكالية على كل مناطق الوطن، البعض في النظام الحالي كما النظام الاشتراكي القديم لا يريد أن يكون الإنسان مستغنيا عن بركات النظام وفتاته الذي يوزع في موائده ذات اليمين وذات الشمال، ليتحكم بها في الأرزاق والمصائر ويجلب بها الولاء المحكوم بالرزق المحدود.

البعض في المنطقة وفي خارجها يعيشون في عصر التعددية الاقتصادية والسياسية والإعلامية بفكر الأحادية والشمولية، يريد السيطرة على كل شيء على الخيارات السياسية وعلى المصادر الاقتصادية وعلى كتابة التاريخ وعلى النشاط الثقافي والتعليمي على كل شيء حتى على الأذواق ولبس الطاقية واختيارات الزواج والمصاهرة.

البعض في المنطقة وفي خارجها لا يريد التميز ولو كان لصالح الوطن ولا يريد التنظيم ولو كان في مصلحة الوطن،  المبررات المقدمة دائما أمنية ونظامية ولكن عمق الموضوع فكري، يمتد في أعماقه إلى الأنظمة الدكتاتورية الأحادية التي تريد أن يتساوي الناس في كل شيء، في الاقتصاد والسياسة والولاء ـ لممثلي النظام والإدارة ـ وحتى طريقة اللباس واللغة، والعادات والتقاليد والأعراف.

كأن الخصوصية خروج على النظام العام وعلى الولاء للدولة والانتماء للوطن، والحال أن الخصوصية في المنطقة خصوصية مذهبية ـ وليست دينية ـ وخصوصية اجتماعية، وليست أبدا خصوصية تتعلق بجهاز الأمن أو جهاز العدل، فليس هناك جهاز للأمن أو إجبار الناس بقوة الرجال أو قوة السلاح، وليست هناك محاكم تختص بالحكم بين الناس فيما اختصموا فيه، إذ الكل في هذا داخل تحت قوة الدولة رغبة أم رهبة ـ ولو كان الحكم الصادر جائرا ـ وإلا كيف نفسر الحكم على الشيخ بيوض ـ رحمه الله ـ بالسجن دون أن تُفيده خصوصية المجتمع في شيء.

الخصوصية في المنطقة خصوصية اختيارية وليست إجبارية، يأتي الناس إليها طواعية ويحق لمن شاء أن يخرج منها طواعية، وقد فعلها البعض وهم أحرار في اختياراتهم بتخطي تلك الخصوصية أو العودة إليها متى أرادوا، وليس هناك سلطة على أفراد المجتمع خارج سلطة القانون والقوة العمومية.

الدول الراشدة تشجع المجموعات على التميز وعلى الحفاظ على خصوصيتها، يقينا منها أن الخصوصية المنظمة دائما تساعد على النظام وعلى القيام بشؤون أفراد المجتمع وتنظيمهم، وإيصال المعلومات إليهم بأيسر الطرق والوسائل، فمن قام بوجباته تجاه وطنه، وأنقص من الأعباء على الدولة فقد قام بالواجب وزيادة، وقد أدرك النظام الجزائري هذا في لحظات الرشد والوعي فكان المشجع لمثل هذه المبادرات، في إيجاد الأحياء السكنية والتكفل بمشكل السكن لصالح  فئات كبيرة من المجتمع، وفي إنشاء مؤسسات تعليمية دينية وحرة كان يضع هو حجز أساس بنائها في عديد من الأوقات، وفي بناء المساجد وتربية الناس وتوجيههم وكان هو من يفتتحها ويُدشنها ويُعطي بها النموذج الحسن في التسيير والإدارة، وحتى في المجال العمراني والاقتصادي، ولم تكن هذه الإنجازات إلا صدى وثمرة لهذه الخصوصية الـمُنتجة التي يمقتها البعض.

والنظام في الجزائر أقوى من أن توقفه جدران مسجد أو أبواب مدرسة أو أقفال دور عشائر، هو أعلم الناس بما يقع فيها وفي كواليسها وليس فيها ما يمكن إخفاؤه ضد مصلحة الدولة والوطن، وحتى الدروس التي تُلقى في المساجد هي مبثوثة على المباشر، والمناهج التي تدرس في المدارس الحرة مطبوعة وموجودة للبيع في المعارض والمكتبات ولم يكن فيها أبدا ما يمس بأمن الدولة وأمانها.

وحتى من الناحية السياسة أو الانتخابية لم تكن أبدا هذه الخصوصية مصدر إزعاج أو إحراج بالنسبة للسلطة أو النظام لأن الذين يتم انتخباهم دائما إما هم ممن نشأ في أحضان النظام والإدارة أو من الذين يترضى عنهم النظام وليس له تحفظ لا على ولائهم الوطني ولا على سوابقهم العدلية، والأكثر من هذا أن خيارات النظام في الرؤساء المرشحين دائما هم الأوفر حظا من أصوات أهل المنطقة رغم الكثير من الملاحظات والتحفظات، ولكن الخصوصية دائما كانت في مصلحة الوطن ولم تكن أبدا ضد مصلحة النظام.

وليعلم كل من يحاول النيل من خصوصية المنطقة أنه وَاهِمٌ من كل المنطلقات والزوايا، الرسمية القانونية أو السياسية أو الاجتماعية، كل القوانين الجزائرية حاليا بعد الانفتاح تؤيد الخصوصيات وتحافظ عليها بحكم القانون وسلطته، وكل الخيارات السياسية في عهد التعددية تذهب إلى ذلك المنحى، وليهنأ بال المنادين بنزع الخصوصية أنها لن تُمحى ولن تزول بالقوة، فكلما كان الإنسان مهددا في خياراته وخصوصياته كلما ازداد بها تمسكا وتشبثا، وحتى الذين تخطوا هذه الخصوصية أو تناسوها أو فتر اعتزازهم وحرصهم على هذه الخصوصية، ستتحرك أنوفهم الجزائرية الخالصة وسيعودون إليها راغبين مختارين، شعورا منهم بالتهديد في هويتهم وكيانهم، فالخصوصية مكانها العقل  والقلب ولا سلطة لأحد عليهما.

هذه هي الخصوصية المُنتجة التي هي بالتعبير الاقتصادي قيمة مضافة للوطن ولمنطقة الجنوب، وغير ذلك من وسائل الاحتراب والتهديد سيُحولها من خصوصية مُنتجة إلى أقلية مشكلة في أيدي المتطرفين من بعض الأفراد المحسوبين على النظام والمتطرفين من أبناء المنطقة، سوف تكون جنوب سودان جديد، أو دارفور آخر.

أنا أجزم صادقا أنها لن تكون؛ لأن الخصوصية في المنطقة مبنية على الالتزام الديني والواجب الأخلاقي الوطني وليس على العصبية المقيتة، صحيح أن البعض يعيب بعض الانغلاق على هذه القيم والأخلاق، ولكن الصحيح كذلك أن الخصوصية تستمد قوتها من الالتزام بالإسلام، وليس من العصبية العرقية ولا من الأممية الاشتراكية ولا من منظمات حقوق الإنسان ولا من المنظمات غير الحكومية الخائنة ولا من الهيئات الدولية الزائفة. هي خصوصية جزائرية خالصة إسلامية ناصعة، ونسأل الله أن يثبتنا على دينه إلى أن نلقاه غير مبدلين ولا مغيرين.

أ.بكير الحاج سعيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى