بحثا عن حِرائيين!

لو يتأمل متأمّل في حال ووضع أمتنا الإسلامية اليوم، فسيلحظ أنها في الوهلة الأولى كيان واحد، والجميع ينطقون بالشهادتين ويؤمنون بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم والوحي، ولكن ما يلبث المرء أن يكتشف أنها في الواقع ليست كذلك، فمنّا من يؤمن ويعمل بما يؤمن، إذ يُتْبع إيمانه عملا صالحًا مصلحًا، ويُتبع فكره خطوات فاعلة فعَّالة مباركة، حاله إن أمكن وصفه، حال الرسالة التي يحملها، والكتاب الذي يتلوه، وعلى الرغم ممّا قد يبدر منه من تقصير، فقد يكون مثالاً للنموذج المحمدي الذي كان صياغة للفكرة التي يؤمن بها ويدعو إليها، لقد كان كما تقول أمنا عائشة (رضي الله عنها) “كان خلقه القرآن”.
وبالمقابل فإننا نجد صنفا آخر، مؤمن بلا شك، ولكنّ واقع حاله يُظهر أنه “مهتم” فقط بالقضية التي ينتمي إليها – وبين الإيمان والاهتمام فرق شاسع كبير- وكأن هذا الانتماء إرث تحصّل عليه من أجداده، أو عُرفٌ ترعرع بين أفراد مجتمعه وعهِدهم عليه، أو ثقافة أنشأه عليها والداه ومعلّموه، دون أن يكون هنالك إيمان حقيقي فعلي وعملي، إيمان برسالة الإيمان، إيمان يرفع المرء إلى مستوى ما يؤمن به.
فإن جالسته أو تحدثت معه رأيته متشبعا بدروس وعِظات نظرية قيّمة، لكن فعله معاكس تماما لما يؤمن به، و كأن هنالك شرخا بين شقين متناظرين: أحدها الإيمان والثاني هو الفعل، بيْد أنّ على المرء التنقل من أحدهما إلى الآخر في شتى مراحل حياته.
ولو نعود إلى سيرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لوجدنا أن مما عزز إيمانه صلى الله عليه وسلم بفكرته ورسالته، هي تلك العبادة التي اختص بها عن بقية قومه، في غار حراء، وذلك الحوار الداخلي الذي خاضه مع النفس مما يصدر عن قومه، وتفطّنه لمسؤوليته جراء ذلك، وعن رسالته وسبب وجوده في هذا الكون، إنها المنهج الحرائي.
نعم إنه التفكير وما أدراك ما التفكير! هذا الصوت الداخلي الصامت المتأمل، الحامل همَّا اجتماعيا، والذي من خلاله يختلي المسلم بنفسه بين حين وآخر، يحاورها، يتشاور معها، يؤنّبها…، ليخرج بعد ذلك ملهما متحمسا قانعا مقتنعا مؤمنا برسالته، ملتزما حدود شريعته، فاعلا فعالا في وسطه ومجتمعه، تماما كما فعل حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء… فأين نحن من المنهج الحرائي؟
عبد الهادي الشيخ صالح
المصدر: فييكوس نت



