أسئلة الكون ضمن دروسنا التربوية

إن تصوّر الكون ورؤية الوجود لا يخلو منه جَوّانيّ أيّ إنسان، ولا حتى عقله وخياله، تجاه أي فكر أو سلوك أو أيّ شيء، فثمّة سؤال داخلي بـ: لماذا ومن وإلى أين؟.. يبحث دائما عن علاقة هذا الكون بخالقه وبالإنسان الذي يرتع فيه، سواء أدركنا ذلك أم لم ندرك؟ فالرؤية المسكوتُ عنها هي رؤية ـ بلا ريب ـ.
لكن لماذا يطمس بعضٌ منّا هذه الحقيقة الكامنة؟، ويطمرها ولا يبالي بتفصيلها حين ينقل المعارف إلى أذهان الأبناء، ولا يضمّنها في سلوكه أو توجيهه، سواء بإعلان أو بإضمار.
في درس ضمن الكفاءات التعليمية في مستوى الابتدائي لمادة العلوم أو التربية العلمية، حيث تهدف إلى أن يكون المتعلم قادرا على تصنيف مصادر الغذاء، والتعرّف على أنواعه والمجموعات المتفرّعة عن كل نوع، والتفريق بين ما هو أساسي وما هو من المشتقات.. وجدت في بعض الطرق المعتادة لتناول الدرس تركيزًا على المعلومة وفهمها من خلال الحواس، وكذا بعض الأنشطة المتنوّعة، والوضعيات الإدماجية والمشكلة إلخ..، لكن هل يا ترى يتمّ إطلاق العقل السؤول ليصل بأسئلته إلى ما وراء تلك المعلومة وذلك النشاط، فيُفسح للمتعلم أن يستمع لصوت الفطرة في داخله ليتأمّل وينظر.
إن اعتبار كل غذاء له نوعه ومصدره الذي ينتمي إليه أو الذي اشتق منه (حيواني أو نباتي أو غيرهما).. هو علم أساسي وهام، ولكن هل إن المعرفة الحقيقية تتوقف هنا أم تستمر لتسأل عن مصدر الغذاء الحيواني أو النباتي من مصدره الأول، فإذا كنّا نصف ما ينتجه الإنسان بأنّه مادة مصنَّعة من أصل كذا أو كذا، ونرتضي تسمية المعلّبات والمشروبات والمصبرات باسمها التجاري واسم منتجها وبلده، (صنع في الجزائر، صنع في الصين الخ…) فلما يا ترى لا نرى في الطماطم والبطاطس والتفاح والعنب وفي لحم الخروف أو البقر.. اسم مصنّعه ومنتِجه، واسم علامته التجارية والبلد الذي صنع فيه.
ترى لمَ غاب هذا السؤال ولم يطرحه المتعلم ولا المعلم، ولم يورده الكتاب ولا المنهاج؟ فهو بالتأكيد مطروح في سويداء القلب، وبؤبؤ العقل ولكنه غير حاضر في ذلك الحال..
تتعدّد الإجابة عن هذا السؤال بين الاعتبار والاعتراف، أو التبرير والتسطيح والإلغاء..، ولكن هذه الصورة هي عيّنة لما نمرّ عليه في كل الدروس والمواد بلَه المواقف والسلوكات التربوية، فواجبنا اليوم أن نصرّف هذه المعاني ونشغّلها في كل تفصيل، بحكمة وفعالية، لنرسّخ بها علاقتنا بربّنا ونجلّيها، أوليس بعزيز على الله أن نوحّده بالذكر والفكر، وبإعمال عقل البراعم والشباب لتستنير بذاتها فتدرك وتؤمن؟
إنّ القضية هنا هي قضية قلب المعلم المفعَم روحا وإخلاصا، وعقله المستنير علما ومعرفة، وكذا مسؤوليته الواضحة المتعلقة بنقل الخواص والمعاني مع المعلومات والمباني، ليغدو بذلك ربّانيًا بما يعلِّم وبما يَدرُس. إنّ مجرد إعطاء الحرية لمكوك العقل والقلب ليبحر في فضاء التفكير هو بمثابة إطلاق الطائر الصغير في السماء ليحلّق حيث يشاء ولو بعد عدة محاولات.
يوسف كفوس
المصدر: فييكوس نت



