سيرة ومسيرةواحة المعرفة

أ. الحاج بكير بن سعيد أوعوشت، مكابدة التداول المعرفي في سياق حضاري متأزم

تشرفنا بحضور لقاء الوفاء في طبعته العاشرة، والذي دأبت على تنظيمه كل سنة “كلية الإصلاح للبنات” منذ 2013، وقد احتضن الاحتفاليةَ نادي الإصلاح حواشة.

سمعت كثيرا بشخصية المحتفى به في بداية التسعينيات باعتبار العلاقة الوطيدة التي كانت تربط بينه وبين الوالد، علاقة همّ التأليف وهمّ قضايا الأمة، ولكن من خلال هذه الاحتفالية تقربت أكثر من هذه الشخصية الكبيرة، عالم من علماء الأمة الإسلامية، ترك الأثر الطيب تعليما وتأليفا وتربية.

الأستاذ حاج بكير بن سعيد أوعوشت يصدق فيه الوصف “المكابد للجماعية في التأليف ضمن سياق متأزم”، فكثيرا ما حرض أصدقاءه للكتابة في قضية تؤرقه، لكن للأسف في الكثير من الأحيان لا يجد إلا رجع الصدى لأسباب مختلفة، فيبادر إلى التأليف وحيدا، لأن القضية لا تستدعي التأخير، ومن فرط حبه للكتب والمطالعة تأثر لضياع مكتبه في حادثتين: فيضان 1991 وفيضان 2008.

كتاباته تربو عن العشرين مؤلفا، ولكل كتاب قصة ملهمة، ابتدأ أول تأليف له تبعا لحصة تلفزيونية سنة 1983 بثها التلفزيون الجزائري في حوار بين الدكتور عبد الله شريط والدكتور عبد المجيد مزيان، وكم تأسف الأستاذ بكير من المعلومات المغلوطة التي كانت تُتداول في موضوع الخوارج، فشكى ذلك لأخيه الحاج قاسم فأجابه: أنتم السبب فلو نشرتم الصحيح لما أقبل الناس على الخطأ من المعلومات، وهكذا تحرك الأستاذ بكير يبحث عن من ينجز معه العمل من أصدقائه فتمنع الجميع، فما كان منه إلا ان استشار الشيخ الناصر المرموري في الكتابة وهو قليل الزاد في ذلك فأجابه: إذا انتظرت الكمال في الكتابة فإنك لن تنشر شيئا، أكتب وانتظر النقد وحسّن ثم واصل، وهكذا طبع 5000 نسخة من كتابه “دراسات إسلامية في الأصول الإباضية”، ونفدت في زمن قياسي”.

كما أن الأستاذ بكير مرب ومعلم من المقام العالي، أحب المهنة كما أحب المادة فنشأت على يديه أجيال من الأساتذة والمعلمين في مسيرة تعليمية امتدت لأربعين سنة، وقد شهد له الكثير ممن حضر بقدرته على إيصال المعلومة للطلبة من خلال المناقشات وتبادل وجهات النظر.

ولد الأستاذ بكير بن سعيد أوعوشت في 6 جانفي سنة 1944 بغرداية، وانتقل إلى القرارة سنة 1959 للدراسة في معهد الحياة فتخرج فيه عام 1966، وهناك كما يقول في البعثة البيوضية تعلم السباحة في البئر، والاعتماد على النفس من طبخ ونظافة وغيره، ومن أبرز الأساتذة الذين تأثر بهم: الشيخ بيوض، والشيخ عدون والشيخ الناصر المرموري، والشيخ بن الشيخ والشيخ الراعي والشيخ باشعادل والشيخ صالح باجو والشيخ بكير بيوض، ود. يحي بكوش.

انتقل بعدها إلى جامعة بغداد، ولم يُكتب له الانتساب لها في بداية الأمر لعدم الاعتراف بشهادة معهد الحياة، ولكن بمساعي سفير الجزائر في بغداد الأستاذ أحمد توفيق المدني قُبل الطلبة، والتحق الطالب بكير بتخصص الفلسفة رغم صعوبة مادة المنطق الرياضي، ولكن بمساعدة صديقه الفلسطيني استطاع تجاوز هذه العقبة، وتخرج بشهادة الليسانس سنة 1971.

التحق بعدها مباشرة بالخدمة الوطنية واجتاز المرحلة المدنية منها مدرسا في ثانوية عباس لغرور بباتنة لسنة واحدة ثم انتقل إلى مدينة بسكرة لمدة أربع سنوات، وقد تم ترسيمه أستاذا بعد ان اجتاز اختبار الترسيم بتقديم درس نموذجي في نقد مقدمة ابن خلدون، ثم درس في ثانوية الفيلالي بغرداية من سنة 1979 إلى غاية 2004، وهناك زامل الأستاذ المرحوم الشيخ عبد الله كنطابلي.

جلسات اللقاء:

اشتمل حفل لقاء الوفاء 4 جلسات:

الأولى كانت افتتاحية من تنشيط د. خضير باباواعمر تضمنت كلمات كل من: أ. علي بن إبراهيم نجار رئيس جمعية الإصلاح، أن هذا اللقاء جاء اعترافا بالجميل لمن صنع الجيل، فجمعية الاصلاح تؤمن بالتواصل والوفاء، ثم كلمة رئيس المجلس العلمي للكلية أ. بيوض بن عمر باجو منوها بالقيمة العلمية والتربوية لأستاذ الأجيال والجهود العلمية والتربوية للفاضل حاج بكير بن سعيد أوعوشت، ثم ذكر بأهداف هذا اللقاء وهي: توثيق ترجمة للعلَم، إبراز الجهود التربوية والعلمية، صياغة الرجل الرسالي من خلال أمثال هذه اللقاءات، إبراز الجهود الاصلاحية من خلال المحتفى به، تعزيز قيم الوفاء. واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة الحاج أحمد بن بنوح مصباح المدير العام.

وفي الجلسة الثانية كانت الفرصة للتعرف أكثر على الأستاذ بكير من خلال مداخلة د. عيسى بن باحمد مصباح: الأستاذ بكير أعوشت السيرة والمسيرة وهي عبارة عن جلسة استماع مع المحتفى به تم تحريرها. وبعدها جلسة حوارية مع الأستاذ بكير من تنشيط د. خضير باباواعمر.

وفي الجلسة الثالثة: قدمت مداخلات حول إسهامات الأستاذ بكير أوعوشت في التربية والتعليم والتأليف: شارك فيها كل من الشيخ الحاج أحمد كروم باستعراض تاريخ المؤلف المشترك بينهما: مسلمات صالحات في روضة الإيمان

ثم مداخلة الاستاذ خضير احماده زميله في التدريس القاها بالنيابة مصباح سليمان تحدث فيها عن تصنيف مؤلفات الأستاذ بكير، وبعدها مداخلة د. بكير بوعروة استاذ التاريخ في جامعة غرداية: قراءة نقدية في كتاب “الاباضية في مرآة علماء الاسلام قديما وحديثا”، ومداخلة د.محرز عبد السلام جامعة غرداية ومدير معهد الاصلاح بنين التاليف عند ا. بكير اوعوشت، وأخيرا مداخلة د. عمر حكيمي مدخل الى الكتابة التاريخية والفكرية عند أ. أعوشت.

أما الجلسة الرابعة فكانت شهادات في حق الأستاذ الحاج بكير بن سعيد أوعوشت:

ابتدأها د. محمد ناصر بوحجام بالقول أن الأستاذ ظهر في زمن عز فيه المؤلفون في الثمانينيات، فلم يكن يجد الاستجابة من أصدقائه المثقفين في المشاريع الثقافية التي يطرحها، فكان كثير الشكوى من هذا الموضوع. وما يلاحظ أنه ألف كتبه وهو مدرس في الثانوية وهو تحد كبير في مقابل تأليف استاذ الجامعة. وكان الدكتور بوحجام قد اقترح تكريم الأستاذ عندما وصل إلى مؤلفه 20، وهاقد تحقق الطلب.

ثم شهادة د. إبراهيم بحاز … الذي أشار إلى أنه كثيرا ما التقاه في شارع بيع الخضر في غرداية لوجود مكتبة تبيع الكتب القديمة والنادرة للشيخ محمد قشار؛ فهو مؤلف يحمل هموم الامة في صدره، واقترح بالمناسبة تقديم دكتوراه فخرية له.

ا. محمد حاج سعيد لخبورات: علاقة جيران، ثم علاقة كتب ومكتبة، علاقة أسفار واطلاع على الجديد، هو الوحيد ضمن اقرانه من وهب نفسه للتأليف معرضا عن الانتقادات.

الشيخ الحاج احمد كروم: أورد طريقة تقديم الأستاذ بكير الدرس للطلبة، ثم حكايات عن أم الشيخ بكير، التي كانت كثيرة الصدقة وبقصص واقعية كانت الصدقات سببا في رد البلاء.

أ. محمد حاج موسى مدير ثانوية الغفران، وشهادته حول طريقة التدريس وذكريات التمدرس والفوضى المنظمة.

السيد عمر سوفغالم رئيس مجلس أعيان قصر غرداية، وأيام الدراسة سنوات الستينيات في عين البيضاء.

ومن الشهادات في معرض الحديث ما ذكره د. خضير باباواعمر، أن د. عبد الرزاق قسوم هو من وجهه الى أ. اعوشت في 1992 في مادة الفكر الاسلامي المعاصر عندما كُلّف بإنجاز بحث.

ثم الختام بقصيدة الشاعر سليمان دواق.

ثم جاءت فقرة التكريم لكل من الأستاذ بكير بن سعيد أوعوشت وحرمه، وكان الحضور نوعيا نذكر منهم: الشيخ صالح بن أحمد حدبون، د باحمد ارفيس، د حمو الشيهاني، وغيرها من الشخصيات.

واختتم البرنامج الذي ابتدأ على 8.30 في حدود الساعة 12.45.

أ. جابر بن محمد ناصر بوحجام

نائب المشرف على لجنة البحث العلمي

القرارة: 13 جوان 2024/ 7 ذو الحجة 1445

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى