من وحي القلمواحة المعرفة

جذوة الخير…

في هجعة الليل البهيم، انزوت الحقيقة إلى ركنها القصيم، وتركت الميدان خاليا أمام ذاك الوهم السقيم، فاستولى بجنده على القلوب والعقول، وبثَّ سمومه القاتلة تنهش الأحشاء، فاغتيلت الروح وبقي الجسد… إنه الشرُّ يصيب خيرية الإنسان ويطرحها أرضا، فتعلق في أوحال المادة، وتدير ظهرها عن معاني الروح المتسامية، فتضيق بها الآفاق وتردها أسيرةً، مكبلة بأغلال الحيوانية باسم الحرية…

الحرية؛ تلك الكلمة التي سُلب لبَّها عُنوة، وتُركت جوفاء فارغة، يلوكها أرباب الرذيلة بألسنتهم جهرة، مُحْدثين ضجيجا تشمئز منه الآذان، وتقشعر من رداءته الأبدان. والحقيقة أن هذه “الحرية” إنما هي تخلٍّ عن القيمة الإنسانية، وفرار من أعباء المسؤولية الأخلاقية، التي تقيم توازن الإنسان، وتحفظ مكانته كمخلوق فريد مكرَّم بين مخلوقات الله.

بات هذا الإنسان المسكين إذن عبدا لِذاته بما تحمله من غرائز وشهوات لا متناهية، مستهلكا لما تفرزه المصانع من سموم بشتى الأنواع، انهز من العبودية يعود لابسا رداء الحرية…

نعم، إنك لترى الواحد منهم يلهث وراء شهواته وأهوائه كالأبله، ويركض خلف مصالحه كالمجنون، لا تهمه في ذلك قيم ولا أخلاق، تتراءى له أشباح السعادة في كل مكان تغريه وتستدرجه، ولكن سرعان ما تزول تاركة بين يديه أذيال الخيبة يجرها، وعلقم الخسران يتجرعه، فيفقد روح الحياة ولقب “الإنسان”، ويفني عمره متخبطا في شراك التشاؤم، تائها في صحاري الحيرة، مآله لا محالة في الدنيا الفناء، أما مآبه في الآخرة واحسرتاه الخلود في الشقاء…

لكن، بين هذا وذاك في الأرجاء أناس يحملون جذوة الخير التي لا تنطفئ، أناس ممن آتاهم الله العقل فأدركوا المعنى وتجاوزوا المبنى، وآتاهم القلب فاستمسكوا بالروح وتطهروا من أدران المادة، وحملوا بين جوانحهم أنوار الفضيلة يشكّلون بها لوحات الحقيقة البديعة في أزهى ألوانها، يعزفون بها ملحمات البشرية الراقية. لقد بذلوا أوقاتهم في نثر بذور الخير وأيقنوا بأن الله وحده من يسبب الأسباب، وأنه يلقّن في هذه الحياة دروسا لأولي الألباب، رضا الله نصبَ أعينيهم غايةٌ لا يغفلون عنها أبدا، العزم والتوكل متاع يقيهم أعاصير الشر، الحمد والدعاء مشكاتهم يزيلون بها حجُب الظلام، ويردُّون بها كيد اللئام.

معترك الحياة بالنسبة لهم مدرّج تسمو به أرواحهم نحو معالي الوجود، فهم لا يفرقون بين الأخذ والعطاء، لأن مدلولهما في عالم الروح واحد*، لقد حمَّلوا أنفسهم همَّ إنقاذ البشرية، وتصرفوا وفق ذلك مستأثرين على أنفسهم صنع الحياة من الحياة، فكان نصيبهم منها الجهاد والمجاهدة، وديدنهم فيه الصبر والمصابرة. إنهم يتحركون في أرجاء المعمورة كمن يتحرك في أرجاء بيته. أعمالهم كلها ثمراتُ علمهم وعلومهم، إنها بدون استثناء جذور لفعلهم.

الصدق شيمتهم التي يُعرفون بها بين الأنام، والاعتدال في القول والفعل خصلتهم التي لا يحيدون عنها أبدا. هم رواد الحق، وتلاميذ الفضيلة… مهلا، من هؤلاء يا ترى…؟

أولئك هم أنتِ يا أختي… هم أنت يا أخي… هم نحن إن أردنا أن نكونهم، فليحدد كل واحد منا ميدان جهاده ثم لينطلق كسهم الخير نحو معاقل الشر، لا يردُّه في ذلك شيء، دعاؤه دوما “اللهم رضاك أسأل والجنة”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* “أحيانا تصعب التفرقة بين الأخذ والعطاء، لأنهما يعطيان مدلولاً واحداً في عالم الروح! في كل مره أعطيتُ لقد أخذت، لست أعني أن أحداً قد أعطى لي شيئاً، إنما أعني أنني أخذت نفس الذي أعطيتُ، لأن فرحتي بما أعطيت لم تكن أقل من فرحة الذين أخذوا”. (سيد قطب، أفراح الروح).

محمد باحريز

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى