أنفاس قلم (6): غزَّة… ليْتَها كانت أَضغَاث كَابوس مُرجفة

كان زفيرُ الدّخان الأدجن ينبثِق من كلّ رُكنٍ وزاوية، والتهبَت أصواتُ الورى الآسية تُصمُّ في آهاتها أرجاء الكون المُترامية، واغتصبت رائحةُ الموتِ من الجوّ نسائمهُ فأردتهَا جثّة خامدة، ومن نافذة بيتِ هالكٍ رُحتُ ألمحُ مُعاناة أمّة دامية…
لمْ ينل مني جُهدًا مذكورًا دفعُ الباب الذي أحالت نيرانُ العُدوان هيكلهُ رمادًا، وحينمَا تطلّعتُ للاغتراف من قبسِ نور الشّمس صَفعني وهجُ نيران القذائفِ تهوي على الأرضِ من كلّ صوبٍ وجهة، جريتُ بحثًا عن ظلِّ حامٍ يأويني فتعثّرت قدمي في جبالِ الجثثِ الجسيمِ، حاربتُ بصري أن ينظر إليهَا غير أنّي لم أسطِع إلى ذلك سبيلا، أكملتُ الدّرب العديم الوجهة وعينايَ مثقلتانِ بهولِ المنظر ورهبة المرأى…
ظللتُ أسيرُ دونَ قائدٍ أو مُرشد سوى أصداء تكبيرات الشّهداء الصّادحةِ ببهاء…
كان وجهُه يتلألأ بندى العبراتِ المتهاوية، وجُلّ جسده محمرّ بلون الدّماء القانية، بين ذراعيه استلقى في غفوةٍ جسد طفلةٍ واهنة، قد رُسم على ثغرِها انعكاس بسمةٍ ساحرة، كان الدّمُ يُغادر جسمهَا سيولاً غير أنّها لم تأبه لهُ والتفَتت إلى عينيْ والدها الباكية، بكلماتِ أودعتهَا فؤاده غادرت روحهاَ أسوار هذه الفوضىَ الصّاخبة، خرّ المسكينُ جاثمًا بقربي ودوّى صوتُه المهمومُ بحرقةٍ: “هناَ دُفنت الإنسانية”…
سِرتُ وقد أضنتني الحيرةُ وفتكت بيَ الأسئلة…
سَمعتُ غير بعيدٍ تعاليَ صاروخِ مدمّر، لا أدري أأنا جريتُ بقدماي إلى موطإ الصّوتِ أم أنّي حُملت في موج الأنام الهائجِ الذي هبّ ليُنقذ ما استطاع من أرواح… كان المشهد مهولاً مفزعا، في تفاصيلهِ رقدت أمٌّ قد رهقتها من جرّاء انهيار بيتِها غبرةٌ قاتمة، في يُمناهاَ عُقدت أصابعُ لعبةٍ وليدِها المتواضعة، رُغم أنّ أنفاسهَا الفزعة قد انقطعت منذ أمدٍ، إلاّ أنّي بصرتُها تتبسّم حين انبجسَ صوتُ ابنها من تحتِ الثّرى، مُعلنًا بلحنِ بكائه العذب: “سيظلّ الأملُ مهما اشتدّت حلكة الدّجى المُدْلَهِمّة”…
شُلّت جوارحي ولم أسطِع مواصلة المسيرِ، فقعدتُ إلى الأرضِ وانتظرتُ المصير، حينهَا كان الضّوء… ضوءٌ فاقعٌ حطّم إكسيرَ الحُلم المرير…
أمامي استقرّت شاشة التّلفزيون تروي في عجلٍ، أرقام القتلى والجرحى وكأنّها إحصاءاتُ جماداتٍ محتقرَةٍ، وراحت تحكي قصّة صرخةٍ، أطلقتها “غزّة الجريحة” تبكي في كبدٍ، علّها تثقف في هذا الكونِ الأصمّ جواب ندائها المبحوحِ المتأوّه المنادي: “رحماكَ يا الله”..
عمر بن إبراهيم بوغالي




مال قلوبنا قد تحجرت … أرضينا بأن نكون من المُخلفين عن الجهاد ؟!
أرضينا بالحياة الدنيا من الآخره؟!
أرضينا بأن يخرج المُجاهدون تاركون خلفهم حيواتهم … ملأت أعينهم الرمال وأجسادهم غاصت فى البرودة…
ونحن فى بيوتنا آمنون … مطمئنون… يكسوا بيوتنا النعيم …
مع بعض التشابه في بعض قرانا واختلاف في المهاجم.
اللهم فرج كربنا وكرب غزة النموذج للعزة.
وألهم ذوي الشهداء عندنا وعندهم جميل الصبر والسلوان..
ووفقنا لحسن العطاء في خدمة ديننا ونصرة رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛
ومواصلة مسار حضارة مزاب عبر الأجيال.
الأستاذ: عبد الحكيم ز. تجنينت العطف.