سؤال الحضارة: “هل عاد مالك ابن نبي، كما وعد؟”

لم يكن المفكر مالك بن نبي يكتب لنفسه، ولم يكن يخاطب عصره وجيله، ذلك أنه غالبا ما لاقى منهما صمَما وإعراضا، عبَّر عنهما بمرارة في مذكراته الأخيرة، بخاصَّة “العفن” و”الدفاتر”؛ ولكن كثيرا ما صرَّح أنَّه يخاطب أجيالا قادمة لم تولد بعدُ، وكثيرا ما ردَّد في حمأة اليأس: “إني مغادر، سأعود بعد ثلاثين عاما”.
هل عاد ابن نبي بأفكاره ومشروعه، كما وعد في مطلع السبعينيات؟ وهل سمعه الجيل الجديد؟ وإذا سمعه، هل وعى رسالته؟ ثم، هل بذل الوُسع تخطيطا وتنظيما للوفاء بالأفكار والأفعال التي طرحها ابن نبي؟
لا يمكن الاستعجالُ بالجواب إيجابا أو نفيا؛ وإنما المؤكَّد أنَّ ابن نبي بقي “علامة فارقةً” و”ضميرا حيًّا” في عقل الأمَّة مشرقا ومغربا، ولعلَّه المفكِّر الأكثر “ذكرا” والأوسع “اهتماما” من قِبل جيل الشباب، مطلعَ القرن الواحد والعشرين؛ فتكاد لا تقرأ مقالا، أو تحضر مؤتمرا، وهو يعالج “مشكلات الحضارة” في العالم الإسلامي، إلاَّ ويحضر ابن نبي بنظرية “القابلية للاستعمار”، أو “بالعوالم الثلاثة”، أو “بمشكلة الأفكار”… وبغيرها.
وسأحاول من خلال هذا المقال تتبع الرسائل التي وجهها ابن نبي لمَن بعده من جيل الشباب، تصريحا أحيانا وتلميحا أحيانا أخرى؛ ثم أبحث في مدى تلقِّي المخاطَب لها، ومدى إدراكه لأبعادها، حسب السياق الحضاري الذي تجد فيه الأمَّة الإسلامية نفسها، بروحها وخصائصها المتشابكة المعقَّدة: من قِبل الثورات العربية، والتبعية الاقتصادية، وتقسيم البلاد الإسلامية بالعرض والطول، وتوالي صور التشويه لرسول الإسلام محمد عليه السلام. ثم من نوع تغلغل الإنسان المسلم في جسم العالم الغربي، بنوعية مختلفة من الثقافة والحضور والتأثير، حتى ولو لم يبلغ بعد حدَّ التنظيم الجيد، والاستراتيجية المعقولة.
وابل من الأسئلة والإشكالات:
في تقديري، يمكن أن يتتبع باحث جملة الأسئلة والإشكالات التي وضعها مالك بن نبي بين ثنايا كتبه، التي عنون لها أساسا بـ”مشكلات الحضارة”؛ ذلك أنَّ الاهتداء للسؤال الصحيح، في الظرف الصحيح، وطرحه بالشكل الصحيح، ثم تناوُله بالمنهج الصحيح؛ إنَّ هذا هو لبُّ الفكر الرشيد، وهو ثمرة التفكير السديد؛ وإلاَّ فالتقرير والجواب قد يختلفان من ظرف لآخر، وقد يناقَشان وينقَضان؛ أمَّا السؤال إذا بلغ حدَّ النضج فسيكون محورا لعملية التفكير الجمعي، ووقودا للوعي الجمعي.
ولذا كان سؤال الأزمة هو مدار الرحى في النماذج الحضارية، ومن هنا اقترح نموذج الرشد بلا تردد أن يُتفق على سؤال الأزمة بوضوح، وهو سؤال عن حركية الفكر والفعل: ماذا؟ وكيف؟ ومن؟ ومتى؟
ولعلَّ سؤال البداية والانطلاق، وإشكالية الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح، شغلت مالك بن نبي عقودا من الزمن، ذلك أنه لاحظ أنَّ النهضة العربية المعاصرة أخفقت في طرح هذا السؤال، ثم أخفقت ثانية في الإجابة عنه، رغم أنها أحيت الضمير المسلم فاستفاق من سباته، إلاَّ أنها لم تسطِّر له المسار، ولا المنهج، ولا الهدف، ومن ثم لزم أن نتساءل بلا هوادة: “من أيِّ شيء يبتدئ بناء الحضارة؟” يقول ابن نبي معقبا: “وهذا السؤال يفرضه المنطق. فأنا إذا فكرت في البناء فإنَّ عليَّ أن أعلم بأيِّ شيء أبتدئ؟”
وفي سياق آخر يقول ابن نبي: “لا شكَّ أنَّ الإنسان بين قوتين: قوى سلبية تريد إرجاعه إلى الوراء باستغلالها طبيعة الاستقرار في الإنسان؛ وقوى إيجابية تدفعه إلى الأمام وإلى تحقيق مستقبله، فينبغي ألاَّ تضعف القوى الإيجابية فينا عن الوصول إلى الحضارة. ولكن ما هي الطرق التي ندخل بها إلى الحضارة؟ أو نعود بها إليها؟”
وأحسب أنَّ سؤال البداية سؤال لم يلقَ الجواب الحركيَّ العمليَّ بعدُ، وهو عالقٌ ينتظر المبادرة، لم يغادر مقاعد الجامعات، ومنابر الجوامع، وثنايا بعض الكتب المتخصِّصة؛ فهو لم يتحوَّل إلى سؤال يكتسي سمة “الثقافة”، ويتجاوز المعلومة والذاكرة، إلى السلوك والملكة والحركة، في جميع مناحي الحياة: السياسية، والتربوية، والاقتصادية وغيرها.
غير أنَّ ابن نبي لا يفوته أن ينبهنا إلى “أنَّ أوَّل الأبواب إلى الحضارة أن نواجه المشكلات مستبشرين لا متشائمين” وهذا يعني “أن نتخلص من نفسية المستحيل ونفسية التساهل (ذهان الاستحالة، وذهان السهولة)، فليس هناك شيء سهل وليس هناك شيء مستحيل” ثم الخطوة الثانية في رأي ابن نبي هي ما سماه “باب الواجب” أي “نركز على أداء الواجبات وأن لا نركز على نيل الحقوق” ومع ذلك تبقى هاتين الملاحظين إشارةَ مرورٍ عابرةٍ لما هو أعمق، إذ لم يدَّع ابن نبي أنه اهتدى إلى حقيقة الجواب، أو أنه أتى بفصل الخطاب.
ثم يأتي الإنسان، وهو المكوِّن الأول في معادلة الحضارة، ليوضع في قلب حركة التغيير والبناء الحضاري، غير أنَّ علاقته بحركة التاريخ، وبصورة التاريخ، لها أثر مباشر على مدى ديناميكيته أو ركوده، ولهذا يذكرنا ابن نبي بقوله: “إنني حينما أرى في حركة التاريخ حركةَ الإنسان، وفي ركوده ركودَه، فإنَّ ذلك يضعني أمام مشكلة تصنف تحت عنوان “الفعالية” فعالية الإنسان في التاريخ. فما هي شروط هذه الفعالية؟”
وهل أجبنا عن السؤال حول الفعالية بفعالية؟ أم أنَّ الفعالية لا تزال درسا خَطابيا، وفي أحسن الظروف مقالا فكريا أو فلسفيا، لا علاقة له بواقع الحياة، ولا بحياة الواقع، الذي يحدِّد حاجاتنا – كأمة – في عجلة التاريخ، ويعيَّن مدى حضورنا أو غيابنا من مسرح الأحداث.
ولعلَّ سؤال الفعالية يزداد حدَّة يوما بعد يوم، مع توفُّر الوسائل، وتشابك العلاقات، والانتقال المفاجئ من إشكالية الندرة إلى مشكلة الوفرة، التي لا تترك للعقول المسترخية الفرصةَ للتعلُّل بنقص الشيء والوسيلة والمادة؛ ذلك أنَّ سؤال الفعالية يصدر من العالم الجواني للإنسان، ولا يتأثر إلاَّ يسيرا بالواقع البراني والأسباب الخارجية والمؤثرات المادية.
ثم حين ينطلق الإنسان الفرد، أو المجتمع الأمَّة، في سبلُ الحضارة مهرولا أو مسرعا، أو حين يمشي ببطئ، لا بد أن يضع في الحسبان أنَّ الصعوبات ستعترض سبيله، ولو أنه ألغاها من قاموسه، وافترض عدم وجودها، لا ريب أنه سيصاب بخيبة الأمل، ويتوقف في بداية الطريق، ومن ثم لزم أن نسأل: “عن أيِّ شيء تعبِّر الصعوبات عندما تواجهنا أو نواجهها نحن؟”
لا ريب أنَّ الصعوبات هي علامة صحيَّة في حركية الحضارة، شريطة أن يتمَّ التعامل معها بوعي وإدراك، لا أن يتمَّ إغراقُها في محيط من الاعتبارات التي لا حصر لها، أو يتم اختزالها في سبب واحد أو اثنين.
وفي نفس سياق الصعويات والعوامل المعرقِلة، تساءل ابن نبي عن نهضتنا المعاصرة، لماذا تخلَّفت في حين تقدَّم غيرها؟ ولماذا لم تبلغ الهدف رغم أنها من عام 1868 وهي تسجِّل حضورا في المسرح الدوليِّ، بصور وصيغ مختلفة؟
ولذا راح ابن نبي ينقِّب ويتساءل قائلا: “المشكلة في صورتها الجديدة هي أن نتساءل: هل زال مفعول العوامل المعرقلة للنهضة العربية أم لا؟”
ثم يكون الجواب واضحا، موجَّها للجيل الجديد، وهو معبِّر بما لا يدع مجالا للريب عن ضرورة مراكز البحوث، وعن لزوم إعمال العقل الجمعيِّ، وهو ما عرف في نموذج الرشد بالجماعات العلمية، فقال: “ومن الواضح أننا لا نملك في أيدينا شيئا يتيح لنا الجواب عن هذا السؤال، جوابًا يقنعنا؛ لأنَّه يتطلب دراسة موضوعية لم نقم بها، ولا نعلم أنَّ أحدا قام بها”.
أي أنَّنا لا نزال ننتظر من يقوم بهذه المهمَّة الجماعية الحضارية، وفي غياب ذلك لن نغادر التخمين وسيلة للحكم، والتلمُّس طريقة للفعل.
وإذا ما عرضنا موقعنا، ونحن أمَّة، في السياق العالميِّ والكونيِّ، ليس بعد الحرب العالمية الثانية فقط، كما تسنى لمالك بن نبي أن يكتب، وإنما بعد غزو العراق وسورية، والثورات العربية، وبُعبع الإرهاب، وهيمنة وسائل الإعلام الحديثة، نتساءل بمرارة، ونقول: “أصبح لزامًا على كلِّ شعب أن يقدِّم ما يملك من إمكانيات حتى يعلم حظَّه من الشعوب. ولا شك في أنَّ هذا سيجعلنا أمام نقطة استفهام تعترض طريقنا وتطلب بقوة الجواب على هذا السؤال: ما هو حظنا في هذا العالم الجديد؟”
ولا يُنتظر الجواب المستعجل لهذا السؤال، ذلك أنَّ الجواب فكريٌّ عمليٌّ حضاريٌّ، وهو من مهمَّة جهود جماعية جبَّارة، ومخابر وجامعات ومؤسَّسات تكون في مستوى التحديات والغايات.
جملة من المهامِّ:
ما هو دور الشباب المسلم في الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين؟
هو سؤال مؤسَّس على عنوان كتاب لمالك بن نبي، عن دوره في الثلث الأخير من القرن العشرين، غير أننا تخطينا هذه الحقبة الزمنية، ولم يتمَّ تحديد هذا الدور بكفاءة وفعالية، ومُنيت الشعوب العربية والإسلامية إثر ذلك بجملة من الإخفاقات والاهتزازات، التي – مثل ريح عاتية – جرفت نفسية الشباب أحيانا، وحملتها إلى مساحات بعيدة، وعرضتها لمخاطر محدقة، ليس له فيها من معلِّم مُعين، ولا مرشد أمين.
ولا ريب أنَّ بحثنا اليومَ يركز على “النموذج الحضاري البديل”: ما هي خصائصه؟ معاييره؟ العراقيل التي تعترض طريقه؟
رغم أنَّ ابن نبي عيَّن للمسلم المعاصر مهمَّة زرع الخير في العالم، وانطلق من الآية الكريمة: “ولتكن منكم أمَّة يدعون إلى الخير”. واعتبر “الخير” هي الكلمة المفتاح التي بها يواجَه الادعاء بالسلم من جهة، والديمقراطية من جانب آخر، والاشتراكية من جهة ثالثة. رغم هذا الجهد الفكريَّ الفرديَّ المشكور، إلاَّ أننا نعتبر الجواب على سؤال “مهمة المسلم، ومهمَّة الأمة الإسلامية بالتبع” في الثلث الأول من القرن الواحد والعشرين، لا يزال سؤالا عالقا، لم يبث فيه بعد، إلاَّ نظريا، وخطابيا، ولم يلق العناية اللازمة فكرا وفعلا؛ وهذا هو التحدِّي القائم في تقديرنا، للمرحلة المقبلة، ضمن ما ندعو إليه من إعمال للعقل المشترك، ومن اجتهاد فكريٍّ وحركيٍّ متناغم، في سياقات مختلفة، حتى ولو كانت بدايةً تحبو أو تسير ببطئ، إلاَّ أنه يجب أن تكون في “نقطة الانعطاف” الصحيحة، وأن تتوجه الوجهة الصحيحة، وتختار المكان والزمان الصحيح.
بهذا نكون قد وضعنا الرجل في الطريق السالك للحضارة، وأتينا البيوت من أبوابها، واقتربنا من النصر والتمكين، بلا تردد ولا ادعاء.
د. محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت



