أن أبلُغ مقام الرشد، وكفى!

لستُ مولَعا بالكتابة لأجل الكتابة، ولستُ مُغرما برصِّ رفوف المكتبات بعناوين جديدة، أو بإثراء التراث العلميِّ للبشرية بنظرية فريدة. بل ليس لديَّ أيُّ اهتمام بخلود اسمي على صفحة التاريخ، ولا بعلوِّ ذكري في العالمين.
أن أبلُغ مقام الرشد، وأن أكون راشدا مرشدا… وأن يكون أمري رشَدا، وفكري رُشدا، وفعلي راشدا… هذه منيتي وغايتي ومقصدي؛ وهذا بكلِّ ما تعنيه الألفاظ من معاني مشحونة، هو “غايةُ الغايات”، وهو “سبب الأسباب”.
إذْ، ما الفائدة من تأليف عملٍ علميٍّ ضخم، شهير وبديع، ثم إفراغ الجهد في نشره وتوزيعه وتبليغه إلى أقاصي الدنيا؛ ما الفائدة من كلِّ ذلك إذ كنتُ مع كلِّ ذلك غير راشد، أو كنت وقد دام أثري في عداد الفانين أتجرَّع الغصص والندامة في عالم البقاء… هنالك؟!
ما الذي يؤمِّله جهابذة العلماء العالميين، وقد لقوا ربهم أشقياء، غير مؤمنين به، ولا موقنين بدينه؟ أفلا يكون علمهم وما خلَّفوه من أثرٍ نافعا لغيرهم، حجَّة عليهم؟ ماذا يفيدهم ذلك وهم الساعةَ يُساءَلون عن كلِّ حرف، وكلمة، وجملة، وحُكم، وفكرة، ونظرية، وكتاب… يُسألون بأمرٍ من الله لملائكته الكرام: “وقفوهم إنهم مسئولون”، ثم بتقريع لهم: “مالكم لا تَناصرون؟” ثم يأتي التقرير ماحقا، مع أسلوب الالتفات: “بل هم اليوم مستسلمون”!
هل ينتفع “بيكون” بالمنهج العلميِّ المنسوب إليه، وهو لم يهده إلى إله المنهج الحقِّ؟
وهل يستفيد داروين من نظرية التطور، وهو قد تنكَّر للخلق وللخالق؟
وهل يزداد نيوتن رفعة يومَ اللقاء، وقد اكتشف الجاذبية، وهو غير مسلِّم لربِّ الجاذبية؟
ومن ذا الذي ينقذ أديسون، وهو الذي أنار بيوت الناس بالكهرباء، وأظلم قبره بالكفر والجحود؟
ونسبية آنشتين، فيما تنفعه، وهو لم يـمُت على دين الحقِّ، وعلى التقوى والإيمان الصدق؟
ثم، ما الذي ينجي هاوكينغ، وهو المقعَد على كرسيه، المحلِّق في أجواء الكون بعقله، المدير ظهره لإله الكون ظلما وعدوانا؟
أنا لا أقلِّل من شأن العلم ولا العلماء، فالعلم دوماً نور؛ ولكنِّي أتحسَّر من علماء نفعوا بعلمهم غيرهم، ولم ينتفعوا هم به شرو نقير عند ربهم. ولا ريب أنَّ مُنتهى العلم معرفةُ السبب الأوَّل (الخالِق)، ومَن اقتصر على سبب أو أكثر معرِضا عن الفاعل الحقيق كان ظلوما جهولا: “يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون”.
لذا، فإنَّ ما أكتبه في بناء “منظومة الرشد” هو لحمةٌ من قلبي، وقطعةٌ من عقلي، وشريحةٌ من وجداني، وعصارةٌ من عملي ومجاهدتي… أتعنَّى وأتألَّم وأنا أخطُّه؛ ذلك أنـَّه يولَد في سياق الفعل والحركة والبناء؛ لا في حُجرات الدرس مغلقة، ولا على طاولات المكتبات مزيَّنة.
ما أكتبه هو “خطوط خلفية” و”صورة قلمية” للَوحةٍ فنية، عنوانُها “حركية الفعل الحضاري” لمشاريع المنظومة وغيرها. آملُ من خلاله أن يتناسق الرسم، ويتناغم الإيقاع، وينسجم اللون… ليس إلاَّ.
وإلاَّ، فلو علمتُ علم اليقين أنَّ الكتابة لا تصُبُّ في هذا المجرى، ولا تسير في هذا الاتجاه، فإني سأصوم عنها اللحظة، أصوم إلى الأبد، وسأستغفر الله مِن “معصية التأليف”، وأتوبُ إليه مِن “سيِّئات هدر الوقت بين ثنايا الكتب والمكاتب والمكتبات”.
يعلم الله أنَّ الكثير مما كان في الغيب أوَّل مرَّة، ثم بعد “نفورٌ إلى العلم” تحوَّل إلى فكرة حدسية في العقل انطلاقا، ثم تهجَّم على الوجدان، وانسكب بعدها نهرا رقراقا على سفوح الجوارح، إلى أن صار واقعًا ماثلا للعيان: مدرسةً، أو طالبَ علم، أو اختيارًا حضاريا، أو معهدًا، أو موقعًا رقميَّا، أو موقفا إنسانيًّا، أو علاقة طيِّبة… أو حتى فكرةً صالحة تهدي صاحبها إلى أرشد طريق، وأقوم سبيل… يعلم الله أنَّ هذا المقصِد هو ما يوجِب عليَّ ملازمة القلم والقرطاس؛ معتقِدا بصدقٍ أنَّ الأوَّل سيف الجهاد، وأنَّ الثاني ميدان الاستشهاد.
أمَّا الهمُّ المحوري الذي يشغلني، ويؤرِّقني، ويدُعُّني، فهو مفارقة “تمكُّن الكفَّار، وبسطهم إرادتَهم على الأرض، مع تخلف المنسوبين إلى الإسلام والقرآن، وما ذلك إلاَّ لِضياع البوصلة، وفقدان الوجهة، وغياب المرجع… عند هؤلاء وأولئك، مما عبَّر عنه عالم خريت في كتاب عنونه بـ: “الإسلام بين الشرق والغرب”، ولو شاء لقال: “الإسلام (الضائع) بين الشرق والغرب”.
فمقالاتُ الرشد، وموسوعةُ الرشد، وبذورُ الرشد، ومشاريعُ الرشد… ولِدت وتولَد كلَّ يوم مرَّات عديدات، مِن رحم التوتُّر والمعاناة، مع مخاض عسير غيرِ يسير… وفي أثناء ذلك أسأل الله أن ينيلني شرف الالتحاق جنديا صغيرا بجيش محمَّد صلى الله عليه وسلم، وأستمع بشوق وعشق أناتِه وحسراتِه مشفوعةً بحبِّه، وهو يردِّد أنشودته الخالدة: “أمَّتي… أمَّتي…”.
ما أحلمك يا حبيبي، يا رسول الله، وما أشقى شانئيك وما أخذلهم؟
لا أعلم هل ضحيت أم أني مجرَّد متشبِّه بالمضحين، ولا أدَّعي أنَّ صوتي المبحوح بلغ آذانَ الناس… لكنني أستعين بالله وأدعوه، أن يبلِّغ هذه الحروف والكلمات والأفكار المرتجَّة المنحوتة بصبر ومصابرة، وأن يقبض عن الألسن والعقول اسمَ صاحبها، فلا يُذكر إلاَّ بدعاء عن ظهرٍ الغيب. ثم ينسب الخير كلُّه إلى غيره، وإلى الجمع من دونه لا إلى الفرد.
أسأل الله أن يخترق فكريَّ الرقيقُ – مفتولا بفكر مَن معي ومَن حولي، وبفكر مَن أنا معه وحوله – بحول الله وقوَّته ومشيئته، أسأل الله أن يخترق حُجبَ البشرية الحائرة، وقد استمرأت الضحضاح، وغاب عنها الرواد الشهداء الراشدون، فنأت بكبريائها عن الحقِّ وعن القسط، ثم ضلَّت الطريق، وأضلَّت على إثر ذلك الملايير من النفوس الخائرة… لكني أعلم يقينا، أنَّ التفكير، والكتابة، والكلام، والصمت، والنظر، والأمر، والنهي، والحركة، والعمل… كلُّ ذلك يصبُّ في محيط هذه الغاية الصعبة المنال.
لهذا، ومن هذا، وفي هذا، وبهذا… تعيَّنَت المنظومةُ، وفُرض بناء النموذج، ولزِم التفكير في البديل… لكنني، صِدقا، أرتجي من وراء ذلك رُشدي، ورُشد أمتي؛ وأستدعي بذلك رضا ربي عني، ورضاه عن أمتي؛ وأسأل الله الجنة مع الصفح، ولا أحتمل جهنم ولو جدلا.
وفي الواقع لا أجد للكلمات حرارة إلاَّ حين تلامس خطَّ الزمن، وتحرِّك ساكنا في دنيا الناس، وتغير شيئا مما أمر الله به أن يغيَّر، وتخاطب بعشق قلوبا واجفة، وعقولا محتشدة، وأفئدة عامرة بالذكر… وفي ذروة المعنى أبحث عن الضمير الذي يصغي وهو موقن في الله الواحد الأحد، ويحترق وهو متوكل على الفرد الصمد، مما أسميه: العقل المؤيَّد المولِّد للفعل المؤيَّد.
وقصيدتي الصامتة الناطقة تتغنى بمعزوفة مقامها: أن أبلغ مقام الرشد، وكفى!
—————–
المقال يحمل أنفاس مرحلته، وقد كتب بتاريخ: 16 فيفري 2011م، بالعاصمة.
د. محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت



