رائد الطيران عيسى بضليس في ذمة الله

أحد أبرز رجالات المجتمع في قطاع الطيران، الأستاذ والخبير الفاضل بضليس عيسى بن سعيد في ذمة الله، أحد الأسماء التي نذرت حياتها للعلم والعمل في صمت، وارتقت بصبرها وعزيمتها إلى مصافّ الريادة.
من مواليد 1944 بمدينة غرداية، نشأ الفقيد في كنف أسرة محافظة، تلقّى تعليمه الابتدائي في مدينته، قبل أن يشدّ الرحال نحو العاصمة ومستغانم لمواصلة تحصيله العلمي، ثم إلى الخارج حيث تعمّق في دراسة الطيران، ليتخرج قائد طائرة في زمن كانت فيه مثل هذه المسارات حلمًا بعيد المنال لكثير من الشباب الجزائريين.
لم يكن مجرد طيار، بل كان مؤمنا أن التحليق لا يجب أن يكون في السماء فقط، بل في الآفاق الأوسع للعلم والمعرفة. تنقل بين مهام ومسؤوليات هامة في قطاع الطيران، حيث تولى إدارة مطار مفدي زكرياء الدولي بغرداية، ثم الإشراف على مطارات الجنوب الجزائري، وكان مثالا في الالتزام والانضباط، معروفا بدقته في التسيير واحترامه للتفاصيل.
ورغم النجاحات المهنية، لم تنسه المناصب عمق انتمائه وغِنى جذوره. كان مبادرا في التأسيس، فكان من بين من أطلقوا مشروع نادي ومدرسة تعليم الطيران بغرداية في سبعينيات القرن الماضي، حين كان مفهوم “الطيران المدني” لا يزال جديدا على المجتمع الجزائري، وكانت المدرسة فضاء لتكوين الشباب وتحفيزهم على دخول مجال الطيران الذي آمن الفقيد أنه يجب أن يكون متاحا للجميع، لا حكرا على النخبة.
حلم الفقيد أن يرى طلاب الثانويات يتعلمون قيادة الطائرات الصغيرة، كنافذة أولى نحو فضاءات الطيران العالي. ورغم توقف المشروع بعد سنوات، بقي أثره في ذاكرة المدينة وفي طموحات من مروا عبر صفوفه.
على المستوى الإنساني، كان الفقيد قريبا من الناس، محبا للخير، بشوشا في وجه الجميع، ومتواضعا في كل مقام. منخرطا في عمارة العشيرة، مشجعا للصالح العام، لا يتأخر عن النصح والكلمة الطيبة.
برحيله، تفقد ولاية غرداية والجزائر عامة أحد أعلامها الذين جمعوا بين التحليق في السماء والتجذر في الأرض. رجل من طينة نادرة، جمع بين المعرفة الرفيعة والخلق النبيل، وبين المكانة المهنية والتواضع الإنساني.
شيعت جنازته يوم الجمعة 20 جوان 2025 بعد صلاة العصر بمقبرة با محمد – غرداية، بحضور واسع من أهله ومحبيه ورفقاء دربه.
وإذ نتقدّم بخالص التعازي والمواساة إلى أبنائه إلياس، هشام، طه، محمد، وبناته الكريمات، وزوجته، وإخوانه، وكل أفراد العائلة الكريمة، نسأل الله أن يتغمده برحمته الواسعة، ويجعله من عباده الذين قال فيهم: “يُوفَّوْنَ أُجُورَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ”.
إنا لله وإنا إليه راجعون



