تأملات وأفكارواحة المعرفة

أحداث القرارة… بلاء فيه مواعظ وابتلاء فيه دروس

hfgh55tytyrty

بسم الله الرّحمن الرّحيم

بلاء فيه مواعظ وابتلاء فيه دروس

حين يسكن الشّرّ القلب، وحين يفيض كراهية وحقدًا وحسدًا، ينطلق بصاحبه ليعيث في الأرض فسادًا: يتعدّى على الممتلكات، ويحرق السّكنات، ويخرّب البنايات، ويعتدي على النّاس، ويروّع العباد، وينهب الأموال، ويسطو على الخيرات، ويقوم بكلّ ما يهديه إليه مكره وخبثه ونزعته العدوانية، ويقود نفسه الشّريرة إلى حيث ترتكب المناكر، وتقترف الجرائم, فتأتي ما لا يمكن تصوّره، ممّا يدخل في نطاق أعمال الذين فقدوا إنسانيتهم ودينهم وضميرهم وكلّ ما يصرف صاحبها ويخرجه من دائرة العقلاء، ويحطّ به في خندق السّفهاء والمتوحّشين الذين لا يملكون ذرّة من الحسّ الإنساني، فضلاّ عن الوازع الإيماني. لقد زيّن الشّيطان لهؤلاء عملهم فرأوه حسنًا. لقد ضلَّ سعيُهُم فيما أقدموا عليه، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعًا، إنَّهم هم الأخسرون أعمالاً..

هذه النّزعة الخبيثة إلى الإضرار، وهذا الميل القرِم إلى الظّلم، وهذه الطّبيعة المهوسة بسلب النّاس أمنهم، وزرع الرّعب في قلوبهم، وتحويل ديارهم بلاقع، وحرمانهم من الاستقرار والعيش الهنيء.. هذه النّزعات كانت وراء الأحداث التي وقعت في القرارة في الأسبوع الماضي، التي تحوّلت إلى جحيم وأرض ملتهبة؛ نتيجة ما قام به أوغاد وأنذال، لا خلاق لهم ولا دين ولا حسّ، ولا شعور ولا ذمّة. أصاب هؤلاء النّاسَ في أموالهم وأجسامهم وفي كلّ ما يملكون. فكانوا في زمرة الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، سيصبّ عليهم ربّك سوط عذاب في الدّنيا والآخرة، إن لم يتوبوا إلى ربّهم، ويردّوا المظالم إلى أهلها، إنّ ربّك لبالمرصاد لكلّ ظالم وجائر ومعتدٍ، ولكلّ باغٍ وطاغٍ ومستبدّ…

لا نعير لهؤلاء كبير اهتمام، فالله كفيل بأن يتولّى أمرهم، وينتقم منهم، إنّه عزيز ذو انتقام، وإنّه ناصر المظلوم، وآخذ بيد الظّالم أخذة رابية، وأخذ عزيز مقتدر، كما أخذ مَنْ قبلهم من الظّالمين..بالخسف أو النّسف، أو بالصّعق أو بإرسال حاصب من الرّيح، أو بما يشاء ويراه مناسبًا للجرم الذي ارتكبوه، فإنّهم ظالمون، وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون. فإنّ الحسد الذي يسكن قلوبهم سيأكلهم من داخلهم، كما تأكل النّار نفسها، والحقد الدّفين الذي يعمر نفوسهم سيأتي عليهم وعلى مؤامراتهم وينقلب عليهم وبالا وثبورًا..

إنّ هذا ما يتكفّل الله به، (وَقَدْ مَكرُوا مَكْرَهُمْ وِعِنْد الله مَكْرُهم، وَإنْ كان مكْرُهم لِتَزولَ منهُ الجبالُ فَلا تَحْسِبَنَّ الله مُخْلِفَ وعدِهِ رُسلَه إنَّ الله عزيزٌ ذُو انْتِقامٍ) (إبراهيم:46، 47) هذا شأن الله مع عباده الظّالمين. أمّا المظلومون فوعده بنصرتهم حقّ… ما يعنينا هو أخذ العبر من هذا البلاء، وتعلّم دروس من هذا الابتلاء.

1 – عدُّ ما حدث ابتلاء من الله العليّ الحكيم. والتّدرّب على حذق كيفية التّصرّف مع الأحداث، وكيفية تَصْرِيفها إلى ما يخدم المصلحة العامّة، ويقدّم دفعًا كبيرًا نحو تحسين الأحوال والأوضاع.

2 – شكر الله وحمده على نِعَمِ التّضامن والتّعاون والتّعاطف.. التي سادت مجريات الأحداث، وأفرزتها التّطوّرات والتّحرّكات التي صاحبت الوقائع والواقعات.. التّعاون كان كبيرًا وقويًّا بين الأقرباء أبناء المنطقة: تخطيطًا وتدبيرًا ومساعدات واتّصالات، ومواساة، ومآزرات.. والتّضامن كان واسعًا من الأبعداء رجال الخير والإحسان والبرّ بكلّ ما يؤدّي إلى إحقاق الحقّ، وإزهاق الباطل، والكشف عن الجرائم المرتكبرة في حقّ الأبرياء.

3 – تقدير قيمة الوحدة التي سادت بين أبناء المنطقة: كباراً وصغارًا، شيوخًا وشبابًا، رجالا ونساء… توّحدت الكلمة بين الجميع، وساد الاحترام بينهم في التّدبير والتّنفيذ، وتوحّدت المرجعية في تسيير الأزمة، وتوجيه الأمور.. هذا الوجه الذي بدا به نشاط الجميع هو ثمرة من ثمرات التّربية والتّكوين القوّيين المنظّمين اللّذين نُشِّئَ عليهما أبناء المنطقة: في المدارس والمعاهد والمساجد والهيئات والمؤسّسات التي تتوفّر عليها المنظومة التّربوية في النّسيج الاجتماعي للمنطقة.. هذه النّتيجة الرّائعة والثّمرة الطّيّبة، التي آتت أكلها بإذن ربّها، هي من غرس التّربية والإعداد المبنيين على تقوى من الله ورضوان.. هذا المكسب والمغنم يدعوان إلى التّمسّك بهذا المسلك وهذا النّهج، ودعمهما بالالتفاف حول الهيئات والمؤسّسات التي قدّمت هذا الفضل، وعدم التّفريط فيها. فإنّ السّرعة في التّحرّك، والإحكام في التّنظيم، والنّجاعة في التّدبير، والتّحكّم في زمام الأمور.. كلّ هذا حصل نتيجة وجود هذا التّنظيم الذي أفسد على الظّلمة المعتدين الجورة أهدافهم، وقلب السّحر عليهم، فأصبحوا من المدحضين. وعلى الباعي تدور الدّوائر..

4 – النّجاح في تحويل المحنة إلى منحة، وتدارك الأمور، وحسن التّصرّف في هذا الحدث، واستثماره في صالح أبناء المنطقة..كان نتيجة الثّقة المتبادلة بينهم، التي أوجدت جوّ التّعاون والأريحية والاحترام والتّفاهم والتّناغم..بين الجميع. الثّقة في سراة القوم، وفي الأعضاء المنتخبين في مختلف المجالس، وفي الشّباب الذي تحرّك بقوّة وحماسة وغيرة للدّفاع عن البلدة، وحماية المتضرّرين، والمحافظة على الحقوق والمكاسب..هذه الثّقة مكسب غال، ومطلب أساس في تنظيم الحياة، وتسيير الأمور..هذه الخلّة هي -أيضًا – ثمرة من ثمرات التّوجيه الدّيني الصّحيح والتّربية الاجتماعية السّليمة . فلنحافظ على المنهج ولنبقَ على النّهج.

5 – عدم التّأثّر بالأحداث والحوادث إلى درجة الانهزام النّفسي، واليأس من الحياة، والارتماء في أحضان الخوف والفزع والهلع وفقدان القوّة والشّجاعة لمواصلة العمل في الحياة للإعمار والبناء والتّشييد، بالوقوع تحت تأثير الإرهاب النّفسي، فنخسر كلّ شيء..إنّ هذا أحد أهداف المدبّرين للأحداث، والمخطّطين للإفساد والتّدمير..إنّ هذه الحوادث والوقائع شكل من أشكال الحياة ومظهر من مظاهرها. فطبيعة الحياة التّقلّب والتّلوّن والتّغيّر…هي متباينة فيما تقدّم للفرد، تتقلّب بين اليسر والعسر، بين الفرح والتّرح، بين الانبساط والانقباض.. ما حدث شيء طبيعي في حياة، يسودها الصّراع بين الحقّ والباطل، ويسيّرها التّنازع بين الخير والشّرّ، المتحكّم فيها إنسان يحمل بين جنبيه بذورًا من هذا وذاك..ما حدث في القرارة حدث مثله وأكثر منه في الأرض في مختلف الحقب والأزمة..وسيحدث. العاقل هو الذي يفيد منها ما يصلح من حاله، ويأخذ منها ما يجعله قويًّا وصلدًا، ويُعِدّ منه رجلاً يطوّر من أدائه، في حياة كلّها كفاح ونضال، وتعب ونصب، وجهاد لمقاومة كلّ المعيقات والمثبّطات والمنغّصات والمقلقات..قال الشّيخ إبراهيم أبو اليقظان – رحمه الله -:

إنّما الدّنيا جهادٌ، مَنْ يَنَــــــــــــــــــــــــــمْ        يَوْمَهُ داسَتْهُ أقْدامُ الرّزايـــــــــــــــــــــــــــــــــا

6 – إدراك نعمة الأمن والاستقرار والسّلامة. أيّامٌ معدودة فقدت القرارة فيها الأمن، تحوّلت الحياة فيها إلى جحيم وعسر وضنك.. فلنقدّر هذه النّعمة حقّ قدرها، ولنعرف لها قيمتها؛ بالعمل على المحافظة عليها، وعدم التّفريط فيها، فلا نأتي ما يسبّب في فقدها. كما نتذكّر في هذه المحنة من يعيش تحت وطأة الخوف وعدم الاستقرار والاعتداءات المستمرّة المتكرّرة أيّامًا وشهورًا وسنوات، كيف هي حالهم، وكيف يحيّوْن..إذا سألتم الله فاسألوه العافية. اللّهم أطعمنا من جوع وآمِنَّا من خوف..

7 – هذا الحدث محطّة من محطّات محاسبة النّفس، في علاقتها مع الله، وعلاقتها مع ذاتها، وعلاقتها مع الآخر. هناك نقص في أداء عبادتنا، وهناك ضعف في محاسبة نفوسنا، وهناك خلل في معاملاتنا، وهناك جهل بتطبيق شرع الله في حركاتنا ونشاطنا..فالله تعالى منحنا هذه المنحة، وابتلانا في هذا الحدث؛ لنصحّح أخطاءنا، ونغيّر ما بأنفسنا حتّى يغيّر حالنا إلى الأحسن. علينا أن نخرج من دائرة الغفلة والنّسيان وألّا نبتعد عن صراط الله المستقيم.

8 – يبيّن لنا هذا الحدث وينبّهنا أن نكون دائمًا في حال يقظة وتبصّر؛ حتّى لا نفاجأ بما لا يحمد عقباه، فالشّرّ لا يغيب عن السّاحة، والأشرار يتربّصون بالخيّرين في كلّ لحظة، والشّيطان يدفع بالإنسان دائمًا إلى ارتكاب الجرائم، واجتراح السّيّئات، واقتراف الجرائر، والإضرار بالنّاس.. ما أقدم عليه هؤلاء الأغرار والأشرار في القرارة في حقّ الأخيار كان على حين غرّة، وفي حال الغفلة..فالمؤمن كيّس فطن، وليس بالغرّ ولا بالسّاذَج.. إنّ الحذر مطلوب، والتّنبّه وملاحظة ما يحدث كياسة وفطنة، ومراقبة التّحرّكات حقّ، بشرط أن لا ينتقل إلى الإضرار بالنّاس.. إمامنا الشّيخ إبراهيم بيّوض – رحمه الله – يقول لنا دائمًا : سبروا في الشّوارع وكونوا متيقّظي الجوارح، افتحوا أعينكم على كلّ شيء، إلاّ على عورات النّاس..

المهمّ، إنّ ما حدث كان من ناس لا خلاق لهم، وحصل نتيجة حسد وحقد وضغائن، نسأل الله تعالى أن يقتصّ من المتسبّبين فيه، ويأخذ على أيدي القائمين بأعمال الشّغب والنّهب والحرق والكسر والضّرب، التي هي من صنف ما قام به المستعمر الفرنسي في وطننا الحبيب، وكانت عقباه الاندحار والانكسار، فعقبى هذا الظّلم الكبير أيضًا الاندحار والانهزام، يتبعه عقاب الله الشّديد، وانتقامه العزيز، ولا تحسبنّ الله غافلاً عمّا يعمل الظّالمون. في أفعال المستعمرين الطّغاة الجبابرة قال الشّيخ أحمد سحنون – رحمه الله -:

فَتجَبَّرْتُمْ، وقُلْتُمْ إنَّنـــــــــــــــــــــا          أَهْلُ بَطْشٍ، وَأُولُو بَأْسٍ شديـــــــــــــدِ

فاتَّقُوا عاقِبَةَ البَغْيِ الـــــــــــــــــــتِي    أَهْلَكَتْ عادًا، وأَوْدَتْ بِثَمــــــــــــــــــــودِ

إنَّ يَوْمًا فيه يَهْــــــــوى نَجْمُكُــــــــمْ       هُوَ يَوْمٌ مِنْكُمْ غَيْرُ بَعيـــــــــــــــــــــــــــدِ

إذا أمعن الظّالم في ظلمه فارقب سقوطه، وانتظر نصر الله عباده المظلومين. (إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا والذِينَ آمَنُوا في الحياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الاَشْهَادُ) (غافر: 51). ولا ننسى – قبل هذا وبعده ودائمًا – قوله تعالى: ]لَتُبْلَوُنَّ في أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الذينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الذينَ أَشْرَكُوا أَذًى كثيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الاُمُورِ[(آل عمران: 186). اللّهم ثبَّتنا بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا وفي الآخرة، اللّهم انصرنا على أعدائنا في كلّ مسلك وسبيل. اللهّم ردّ كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميرهم. ووفّقنا إلى ما تحبّه وترصاه واهدنا سبل السّلام.واحفظنا في أوطاننا، واحفظ مؤسساتنا وهيئاتنا، واحفظنا واحفظ شبابنا واهدنا للتي هي أقوم.

باتنة يوم الجمعة: 25 من محرّم الحرام 1435هـ

29 من نوفمبر 2013م

الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. اللهم أمين وبوركت يا دكتور على هذا ألإلقاء المنطقي ونرجو منكم و أمثال سيادتكم رسم استراتيجية للحد من هذه التعديات المتكررة على كل ما هو ميزابي

  2. رجال القراة الابطال بل القارة… ابناء واحفاذ الشيخ بيوض وامثاله جبال لا تهزهم ريح فقد اعطو اروع الامثلة في التعاون والتآخي في احلك ايام فيضانات غرداية 2008.فلكم الله ولكم دعواتنا وسواعدنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى