هاتف من استانبول (8) : شاي تركي من فضلك…


هو كتاب يحكي قصَّة تركيا من الماضي إلى الحاضر؛ نشرته دار النيل باللغة العربية، وقد نشر من قبل بالإنجليزية، ثم التركية. والمؤلفة أمريكية الأصل، اسمهما: “كاثرين براننج”، تعمل أمينة مكتبة، ولها اهتمام خاصٌّ بالثقافة، وتخصُّص في “خوان الضيوف” في تركيا عبر التاريخ (الخوان: أشبه ما تكون بالفنادق المجانية في الطرق الآهلة بالرحالة والمسافرين).
والكتاب عصارة عمل متواصل لمدة ثلاثين سنة، تزور فيها تركيا كلَّ صائفة، بانتظام؛ إلى أن أعدَّت هذا العمل الأدبي الفريد. وهو عبارة عن ثمان وعشرين رسالة، افترضت المؤلفة أنها ترسلها للسيدة ماري مونتاجيو (ت-1762م)، زوجة سفير بريطاني سابق، خلفت تراثا أدبيا عالميا، من أبرزه رسائلها إلى أهلها من تركيا، والتي عرفت بعد ذلك باسم: “رسائل السفارة”.
ثم تقول كاثرين: “وهكذا تلاقت قصتي وقصَّتها”.
والحق أنَّ ما يميز المؤلفتين هو روح التسامح، بالنأي عن التنقيص والتجريح، والولوج إلى عمق المجتمع ويومياته، والقدرة على اعتصار عبر لا تُنسى من أبسط تفصيل أو جزئية أو ملحظ.
ونقرأ في المقدمة: “لا أودُّ ألبتة أن تغدو هذه الرسائل مذكِّرات لي أو سيرة ذاتية، فحياتي ليست جذَّابة لهذا الحدِّ… وأهمُّ من ذلك أني لا أريد أن أتهكَّم أو أسخر من الأتراك؛ فلطالما كانت وجهة النظر الغربية ضدَّهم وبشكل غير لائق أحيانا” ثم تضيف: “ما آخذه على هؤلاء الكتَّاب الرحَّالة بشكل رئيس، هو أنهم يَبدون لئاما مستكبرين؛ يزدرون الموضوع الذي يتناولونه بشكل صريح”.
نعم “عندما تكون بصدد موقف غير قابل للتفسير ينبغي أن تأخذ نفسًا عميقا، وترجع إلى الوراء، ثم تنزع نظارتك الغربية المهيمِنة، عندها ستتمكَّن من البدء في تحديد ما هو لهم، وما هو لك، وما هي الحقيقة”.
والحقُّ أنَّ الكاتبة تميَّزت بحركية منقطعة المثال؛ حتى إنها فضحتني وفضحت إخلادي إلى المكان، مع ما أبدي من حركة قليلة لا تقاس بما ينبغي أن يكون؛ فتشجَّعتُ وانتقلتُ وسافرتُ داخل تركيا أكثر من ذي قبل؛ وإني لأوافقها على الكثير من ملاحظاتها واستنتاجاتها، وأعلم علم اليقين أنَّ الإنصاف خلقٌ حميد، وأنَّ ديننا الكريم يربينا ويحملنا على العدل بأشمل معانيه: “اعدلوا هو أقرب للتقوى”.
وإني لأوصي كلَّ قارئ لَوذعيٍّ أن يطالع هذا الكتاب البارز، ويفكِّر مليا فيما يكتب من مقالات، وخواطر، ويوميات… لا بل، هل أصلا يكتبُ وينوي ذلك صدقة وأجرا ومثوبة، أم أنَّ القلم جفَّ بين يديه، واستحال الورق ترابا، والزمن غبارا…
ظني بك أخي أنك رساليَّ الفكر، مهاجريَّ الروح، علميَّ العقل، توحيديَّ القلب… ولقد استوقفتني آية من سورة النساء طويلا، وأنا أستمع إليها فجرا، أهديها لك، وهي قوله سبحانه: “واسألوا الله من فضله، إنَّ الله كان بكلِّ شيء عليما”.
اللهمَّ إنَّا نسألك من فضلك… ونستقدرك بقدرتك، ونستلطفك بلطفك… ونستهديك بهدايتك…
د.محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت



