من وحي القلمواحة المعرفة

رسالة من “غزة” إلى “هزارفان” وآلِه…

في مخيم هزارفان، في محاولة التحليق تلك التي يخوضها، بعد هزارفان نفسه، ثلة من الفتية المؤمنين في سماء العلم والحلم، بين حقول البيولوجيا، ومشاتل الفيزياء، وبيادر الرياضيات: متجولين سائحين، وفي ملكوت الله مسبحين؛ توقفت عقارب ساعة مخيم هيزارفن عند الساعة 19:30 من الفاتح من سبتمبر في زيارةِ من انتصر معنى ومبنى في ساحة الشهادة والتمكين؛ هنالك في أعلى التلة بمستشفى مرمرة الجامعي؛ دققنا الباب، وباسم الله ولجنا عُوَّدًا لجرحى العدوان على غزة المنتصرة الأبية؛ وهنالك كانت المفاجأة…

دخلنا المشفى زُمَرا، وسبقني إلى الزيارة ثلة من الفتية دخلوا لأول وهلة مبتسمين، وبعد دقائق خرجوا صامتين تعلو وجوههم حيرة ودمعة، فلم أفقه السر، ولم أفك الشفرة، جاء دوري ودور من معي فدخلنا؛ وإذ على يميننا وعن شمائلنا طفلة أصيبت بشظايا قنابل، ولهول ما أرت وعايشت صدمت فعاشت أزمة نفسية جارفة، وعلى الشمال شاب لم يسلم من جسده إلا وجهه الصبوح وابتسامته الفاترة وهو لا يقوى على الحديث والمشافهة، وفي غرفة أخرى كهل منكسر القدمين موثوق الصلة برب العالمين ما إن ولجنا غرفته صاح ينادي: للقدس إن شاء الله محررين، وفي حربنا منتصرين، وفي آخر الرواق طفلة صَبُوحة لا تقوى على الحديث، أمها عند وسادتها تمسح دمعتها، وتدفعها إلى ساحة التسليم لله، ومساحة اليقين…

خرجت من ذلك لا أذكر ما جرى بعد ذلك ولا قبل ذلك، لا أذكر كيف خرجت من المشفى ولا أين رحت، غرقت في بحر تفكيري؛ فوجدتني جاهلا، عييا، سفيها؛ لما وطئت قدمي المكان كنت أرجو أن أعود جرحى ومرضى فوجدتني تحت وطأة حمى الأنانية أرزح، و”كورونا” الملذات أمرح، وأنفلونزا العصافير أتمرغ، وفي نزيف جراحي الفكرية أهِن وأضعف…

ذهبت أزور جرحى؛ فثقفت نفسي أنا المريض وهم الأصحاء، جئت أزور فإذا بي أمام تلك النفوس السامقة، مشلولا ومعاقا أُزَارُ، ذهبت مشفقا لهؤلاء وأولئك فإذا بهم هم من يشفقون لحالي، وموت قلبي، ووهني، ودنو لحظة حسابي…

هنالك أدركت أن الحياة بلا معنًى، وروحِ جهاد، ونيةِ استشهاد: “حياة لا تستحق الحياة”، وأن جموع الخلق التي تتيه بين القطعان بعيدا عن المعنى إن هي إلا جنائز حية، وأموات بلبوس أحياء… لقد علّمني هؤلاء في دقيقتين ما لم أعشه طول العمر، وفي ذلك رسالة إلى مخيم هزارفان وآله أنْ:

حلِّق ضمن سِرب، وعِشْ من أجل همٍّ ورسالة، وإلا فمُتْ وأنت ذليل

أ. طه كوزي

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى