من وحي القلمواحة المعرفة

لا نهوّن ولا نهوّل ولكن التوبة ضرورة ملحّة

قال تعالى (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ* لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) سورة الحديد (23)

قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ “. رواهُ مُسْلِمٌ.

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين…

إن ما حصل لبدلتنا غرداية (أغلان) من فتنة أتت على الأخضر واليابس لولا لطف الله عز وجل لهي الفاجعة الكبرى ولكن والحمد لله إن مع العسر يسرى حيث سرعان ما فرج الله الكربة ونفسنا الصعداء بدل الخوف أمنا والحرب سلما والأزمة رخاء والدليل على ذلك الخيرات التي تتهاطل من هنا وهناك تجاه إخواننا المتضررين من مأكل ومشربا وملبس وحتى مسكن والحمد لله وسوف نرى في المستقبل القريب الكثير الكثير من ذلك ومابعد فيضان 2008 إلا نموذجا لذلك ولكن السؤال ماذا بعد ذلك؟

لنتأمل معا وبنور الله الفتنة من بدايتها، قدر الله علينا نكبة (بابا صالح) ثم سرعان ما كشفها سبحانه والحمد لله،ولكن نحن أيضا سرعان ما نسينا والكثير منا عاد إلى ماكان عليه من تقصير في جنب الله تعالى،فقدر الله النكبة الثانية (بابا السعد) والتي كانت أكثر شدة فرجع الناس إلى التضرع والدعاء علّ الله يرفع البلاء فكم من دموع درفت وكم من أدعية رفعت وكم من صدقات قدمت كل هذا في سبيل أن يرفع الله البلاء فاستجاب الله دعاءنا  وكشف عنا الضر ورفع البلاء بأضرار متفاوتة الخطورة حيث بقيت الدكاكين والمدارس مقفلة مدة من الزمن ودفنا شهيدين رحمة الله علهم على غرار الخسائر الأخرى المسجلة المادية والمعنوية حينها.

 وما إن رجعت الحياة إلى طبيعتها نسبيا، عاد بعض الناس إلى ماهم عليه وبدؤوا ينسون العبرة من الحادثة وبقينا في الحديث عن الغير وكيف أصبحوا وكيف حالهم وماذا يقولون وماذا وقع لهم وبقي الناس يتناقشون حول الأسباب المادية والحلول المادية فقط ونسي الكثير منهم السبب الأول وهو المعاصي والذنوب والإصرار عليها حتى ويا للأسف أصبحت المجاهرة على شرب الدخان شيء عادي في أوساطنا وكذا السب والشتم وذكر النعرات و…الخ . فقدر الله النكبة الثالثة (بابا والجمة) وهي الأخطر والأكبر من نوعها والتي بين عشية وضحاها جعلت الغني فقيرا معوزا والتي يتّمت الأبناء ورملت النساء وشردت العائلات والأطفال وأسكتنهم  المدارس والمراكز وتركتهم بلا مسكن يؤيهم، حينها بلغت القلوب الحناجر وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا كبيرا، حيث خلفت فينا أمواتا رحمة الله عليهم  وصبّر ذويهم  وخلف لكل من ابتلي في متجره أو مسكنه أو مركبه آمين، ولكن أحبتي العبرة بالخواتم العبرة كيف نخرج من هذه الدنيا  والله راض عنا هذا ما يجب أن يعج في جلساتنا ولقاءاتنا و هذا ما يجب أن يؤرقنا أما الدنيا فلا تساوي شيئا عند الله الملك.

قال تعالى (…قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ] {الأعراف:129

ما أحوجنا أن نتذاكر في هذا المجال وننظر إلى القضية من جانبها الإيماني القرآني ونؤسس برنامج متابعة في هذا المجال بعد هذه الأزمة يهتم بهذا الجانب، عسى الله أن يكفي عنا شر ما قضى ويكشف عنا المصائب والمحن ويهلك عدونا والظالمين أجمعين
إن السبيل الوحيد لذلك هو الرجوع إلى الله سبحانه لا غير إلا أنه ولطالما سمعنا بهذه العبارة الرجوع إلى الله ولكن كيف كيف أعوذ إلى الله ؟وهو الذي قال لنا في محكم كتابه ([فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ] {الذاريات:50} نعم إن سبيل الرجوع إليه سبحانه هو اتباع كتابه وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

إن الإقبال على كتابه يعني تدبره وفهمه وتطبيقه وأهم من ذلك كله إسقاطه على واقعنا، فلا يتسنى للإنسان أن يعرف نفسه كيف هو مع الله إلا إذا عرض نفسه على شيء ما وما هو هذا الشيء الجدير بذلك؟ إنه القرآن الكريم وعندما أقول القرآن الكريم فهذا لايعني إهمالي لسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهما وجهان لعملة واحدة.

ولنعلم أن الأصعب في هذه النكبات ليس ما يصيب الإنسان من جرح لجسده أو حرق لمنزله أو متجره أو سيارته ولا ما أصابه من روع وهلع هذا كله يزول مع الأيام بإذن الله تعالى. إن الأصعب في مثل هذه المصائب أن يصاب الإنسان مرات تلو المرات ولا يعرف لماذا؟ وكيف؟ وما الحل؟ وهذه هي الحيرة بعينها وماأصعب هذه الحيرة التي أصيب بها البعض في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم بعد غزوة أحد فجاء القرآن الكريم ليخرجهم من هذه الحيرة بقوله سبحانه ([أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {آل عمران:165}

 وقد رأينا ذلك بأم أعيننا كم من الناس عندنا أصيب في الحادثة الأولى ففر من ذك المكان إلى مكان يرى أنه آمن فأصيب مرة أخرى في الحادثة الثانية  ففر إلى مكان آخر فأصيب بما هو أشد من ذي قبل، قال تعالى ([أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ] {التوبة:126} هؤلاء الناس وغيرهم ما أحوجهم إلى الإقبال على كتاب الله من باب أن يسقطوه على أنسهم ليكون كاشفا لهم عن خطاياهم و زلاتهم ربما.

قال تعالى [بَلِ الإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ] {القيامة:14} ولا يمكن لأحد أن يعرف زلات الآخرين بقدر معرفته  لزلاته وخطاياه هو، ولا يمكن أن يعرف زلات نفسه وخطاياه إلا إذا كان شيء من آيات القرآن الكريم تملأ  قلبه ولا يمكن أن يستمر على التصحيح والتنصل والتوبة إلا إذا استمر على ملازمة كتاب الله فالقرآن ليس للمناسبات فقط ولا لوقت النكبات فقط أو للأفراح للتبرك به فقط بل الأصل أن يكون هو الصاحب والأنيس والرفيق لكل مؤمن يستأنس بآياته التي تملئ صدره ويؤنس بها إخوانه.

لذلك أريد منكم جازاكم الله خيرا أن تتابعوا إخواننا المتضررين وكلنا متضرر طبعا ولكن نختلف في مقدار الضرر حيث يتابع هؤلاء من هذا الجانب البالغ الأهمية. ولأنه وكما يبدو لي من الصعب أن يتوهم الإنسان المضرور أن ما أصابه كله ابتلاء وامتحان في حين نجده مصرٌّ على جملة من المعاصي (نائم على تركة لا يريد التصفية/ لم يسدد أجرة عامله/ له نظر الحرام/ كثير السخرية والتهكم بالناس/ قاطع رحم/ متعامل بالربا/ كاتم للحق/ شاهد شهادة زور/ أو بالنسبة للنساء: كثيرة التسكع في الشوارع والأزقة/ مستهينة بتربية أبنائها/ نمامة ربما/ قاطعة رحم/ مخضعة بالقول/ متكبرة عن الحق… إلى غيره من أمراض أمتنا والتي حان الأوان لاستئصالها من جذورها مادام الناس في خشوع وتضرع وإلا فما المغزى الحقيقي من هذا الضر الذي قدره الله علينا إن لم نأخذ العبرة؟

ولكن دائما أعيد وأكرر لا تهوين ولا تهويل حيث أننا لا ننكر جملة من المغازي الربانية لهذا المصيبة العظمى من ابتلاء وامتحان للمؤمنين الصابرين و ترقية لهم في الدرجات العليا حينما يخرجوا من هذا الامتحان من الفائزين حيث أنهم لم يتضجروا ولم يسخطوا على ما قدر الله لهم،قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) سورة البقرة 156.

 ولكن هل يمكن لأحد أن يتجرأ ويقول أنا من هذا الصنف 100% لا أظن ذلك وإلا سوف يسقط في التزكية لأن هذه الحالة يـصيب الله بها المتقين. والمتقين لا يعلم بهم إلا الله سبحانه، ولا يمكن لأحد أن يجزم جزما قاطعا أنه من المتقين وقد قال لنا الله في كتابه العزيز (… فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى] {النَّجم:32} ولكن له أن يقول إن شاء الله أنا من هذا الصنف ويدعو الله له وللمؤمنين بالثبات على ذلك، حينما يجد نفسه أنه ليس مصر على أية معصية وأنه صاف بينه وبين الله وبينه وبين العباد.

وإن تمت هذه المبادرة بهذا الطرح الدقيق فبإذن الله سوف نرى أفواجا من الناس تتوب في الأيام القادمة وتقبل على الله  وتصفي ملفاتها العالقة مع تصفيتها لمنازلها وترجع المظالم إلى أهلها وتسأل عن دينها وسوف يشتغل العلماء في الأيام القادمة أكثر من اشتغالهم فيما سبق وسوف يعم الخير والعمل الصالح وسوف نرى شبابا وشابات استقاموا وعادوا إلى رشدهم ونرى أناسا  كانوا متخاصمين يرجعون إلى بعضهم البعض ويتصالحون ويتعاونون على الخير وتصبح الشوارع التي كانت من قبل مكتظة بالنساء تكاد تكون منعدمة من النساء ونرى المساجد التي كانت تفعل بها الرياح فعلتها نجدها مكتظة بالمصلين ونجد الكثير من التجار الذين تورطوا في الربا يتوبون ويردونه على نية عدم العودة وسوف يتحصل الناس على قناعة تامة مفادها بالتوبة والتنصل سوف تستقيم الحياة ونتحصل على الاستقرار والأمن الحقيقي وبالإصرار والعصيان ننتظر الضربات تلو الضربات والمعضلة أن كل ضربة تأتي سوف تنسينا بالتي قبلها والعياذ بالله فمن منا الآن يتذكر الفيضان الأخير وربما أقول أجمع الناس تقريبا على أن الفيضان أرحم من هذه الفتنة ولهم أن يقولوا ذلك ولكن سبحانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فالله هو الذي يختارها ويقدرها ويقدر حجمها ونوعها وليس نحن وهو الذي قال لنا في كتابه العزيز [وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ] {الزُّخرف:48}.

قال تعالى [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {التَّحريم:8}

قال تعالى [فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ] {غافر:44}

من محبكم في الله إلياس بن صالح بلعديس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى