الحياة تؤلمنا لكنها… تعلمنا

كانت ليلة هادئة وأنا جالسة على جنبات النهر أستمتع بسماع زخات المطر محدثة وقعا متراقصا فوق خرير مياه النهر تعزف سيمفونية هادئة من أغاني الطبيعة ونسمة سحرية تطرب النفس وتجلو عنها عناء حمولة الأيام، إذ بأمير الليل يطل من خلف الغيوم السوداء ناشرا خيوطه الفضية المترامية فوق القصور اللامعة بحبات الكريستال، وعلى أكواخ بالية تحوي قلوبا ناصعة كالبدر ليلة تمامه، يمر أمام عيني شريط الذكرى حاملا في طياته صورا من الماضي يروي لي قصصا ومغامرات كنت أعيشها كان واقعا فصارت مجرد ذكريات…
أخذني الشوق والحنين إلى تلكم الأيام الخالية… تتزاحم الأحداث والمواقف في ذاكرتي لتعيدني إلى أبعد نقطة من حياتي وليرسو بي شريط الذكرى على تلكم اللحظات الطفولية المتخمة بالمغامرات والضحكات البريئة… ولتبدأ الحياة باستعراض أقنعتها وبتبديل ألوانها مع كل فصل من فصولها وتعلمني بعد أن تذيقني أقسى الامتحانات أن الضحكات لن تدوم كما لا تدوم العبرات…
لكني لا أحفظ الدرس جيدا فتجبرني الحياة لخوض التجربة المرَّة مرات عدة حتى أحفظ الدرس بكل تفاصيله، لكن لن تتوقف عجلة التعلم والتألم عند درس واحد وامتحان واحد، فالحياة لا تعلم درسا واحدا بالمجان لكل درس ثمنه وكلما عظم الدرس عظم الثمن… الحياة مدرسة تكاليفها بقدر قدرتك على الصمود ستتعلم فيها أن النجاح ليس محطة تلقي عليها أثقال متاعب الرحلة بل هو طريق نهايته تعني نهاية النجاح فعندما تقرر أن تتوقف في محطة لتستمتع بانتصاراتك عليك أن تتيقن بأنك وصلت إلى نقطة الصفر، فالحياة ستعلمك أن النجاح طريق وليس محطة…
قانون من قوانين الحياة ستتعلمه أن الأخذ دائما يعني العطاء وبقدر عطاءك يعظم ربحك… أيُّ عطاء تعطيه فأنت تلقيه في صندوق ربحك مهما قلَّ ثمنه وأي بخل تبخل به فأنت تبخل على نفسك مهما عظمت الغنيمة!
ستدرك أن المقولة القائلة بأن “الحياة تدبر على من يقبل عليها” خاطئة بكل المقاييس فالحياة تقبل على من يقبل عليها بينما تتجاهل الذين يهابونها ويدبرون عنها مكتفين بالتفرج من على أرصفتها تقنعهم بعض بقايا القوت الملقى عليهم من العاملين فيها والمقبلين عليها…
ستدرك أن الحياة عادلة عكس ما يزعمه من ارتضى العيش دائما بزي المظلوم ملقيا على الحياة حظوظه السيئة لأن الحياة بنظره مجرد ضربات حظ لم يدرك أنها ضربات لن تكون من نصيبه ما لم تكن مؤلمة بقدر المطلوب الذي يبتغيه ويداعب خياله.
ستعطيك الحياة ما تريد فقط احفظ قوانينها ولا تفكر بخرق واحد منها، لن أعدك أن الحياة بعدها ستكون سهلة لأن قوانينها كثيرة وأنا عن نفسي لم أحفظ إلا القليل منها ومازلنا نتعلم ونتألم أيضا.
أسماء نور الهدى




جميل ما خطّت أناملك يا اسماء ,وصدقا ما تلفظت به من معاني فالحياة تألمنا وتعلّمنا ,وحبّذا تذكرةترفعنا ,وتفيدنا ,بارك الله على هذه الصياغة الأدبية الرائعة ..
رحمة الله