الفنان إبراهيم مردوخ في يومية القدس العربي

الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ:
توزُّع روح الجمال بين المستنبط والمستبطن
“الفنان ابن بيئته…”، يصدق منطوق هذه العبارة التي تلفظ بها الروائي الألماني”توماس مان” – في واحدة من الحالات التي يصدق فيها – مع الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ الذي اهتدى إلى توظيف عناصر بيئة عيشه ومقوماتها الروحية وركائزها المادية وعناصر محيطه الإجتماعي والثقافي والحضاري في أعماله بعد النظر إليها كخزائن تعج بروائع تراث ثري وذخائر ثمينة لم تبل الأيام بهاءها وحسنها. وطفق يستنبط منها مواضيع أعماله وموادها كمن يرتشف من الينابيع الصافية.
لما يهمّ لإنجاز لوحة من لوحاته في مرسمه، فإنه يزاول عمله كمن تحذوه رغبة الوصول إلى تشييد ممر مضيء لجسر خيوط التواصل بين زمنين: زمن ماض مايزال سار في الكائنات التي يرسمها، وزمن ثان حاضر يصنع التواصل الذي يجمع المفردات ويلملم الذرات في عذوبة وروعة. وفي كل منجز من منجزاته لمسات من التداعيات الوجدانية وبصمات من السحر الجمالي المعتق بنكهة التاريخ.
لما كان رافضا للتماهي المطلق المغلب للقوة البصرية على الطاقة الفكرية، فإنه يردف مضامين لوحاته بشيء من الغموض الملفوف في براقع شفافة يرمي به إلى الآخرين لتفسيرها وفك شفراتها المبهمة، وقراءة غوامضها المستبطنة التي ينثرها في لفوف التدثر بديلا عن حشو مساحات لوحاته بالتفاصيل والدقائق.
تكاد تُختزل محاولات القراءة المزاولة لأعمال الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ في قراءة واحدة، إنها قراءة تفيض خيوطها بالمعاني الروحية الذي ينعم بها الناظر المتجاوب والمسلح بأدوات القراءة التحليلية التي تغوص في الأعماق. وهي القراءة التي تكمّل غنى الصورة المرئية بالجمال الذي يتشوفه ماثلا أمام عينيه. وإنها قراءة سابرة للأغوار، محرضة لعملية التفكير، معمرة، حية، متجددة، فائقة الإلمام وشاملة الإحاطة، ولا يمكن أن يكتب لها التجاوز أو الإغفال مهما طالت المسافات الزمنية.
ليس ما يقوم به الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ ضربا من ضروب الإرتداد في أنفاق ودهاليز الماضوية في تزمت وانغلاق لا يقارعه انعتاق وتحرر من سطوتها، ولا تضارعه وثبة تجديد أو قفزة تحديث. وإنما هو إصرار على استحضار الجانب القيمي بكل شحناته المتفجرة. وهو حين يحمل أدواته، لا يرسم من أجل تحقيق نشوة المتعة البصرية، وإنما يؤرخ منحازا إلى البحث عن مناقب الذاكرة الجماعية في خط مسيرتها الباسلة حتى لا تظل مجهولة من طرف الأسلاف، ومنبوذة في بطون دفاتر النسيان والنكران.
في لوحات الفنان إبراهيم مردوخ حميمية نادرة تمارس فعلها الإغرائي على رائيها، وتتحول هذه الحميمية في نهاية المطاف لما تلقى حسن التجاوب إلى ما يشبه وعاء تنحل فيه الذات مع الموضوع انحلالا كليا ، لأن صاحبها مهووس بفعل البحث في سطوح وجيوب الطين المرن والمعجون الذي افتن الأولون في تسخيره وتشكيله، ومنغمس في الإستكشاف عن بذور أسرار الكيان الإجتماعي الذي ضمته في ألفة نادرة، ووقّّّع فيها تفوقه وتقدمه، وترك حرارة شعلته سارية بين أجيال مجتمعه.
وفّرت أنماط البناء الميزابي المتميز بشكل عام، والحاضرة العلمية الإصلاحية مدينة ‘القرارة’ بصورها المعمارية بشكل خاص، وفرت لراسمها حقولا معرفية لمواضيعه التي يستلهم من مناظرها موارد صنعت تميزه واستقلاليته.
إن من يعرف عروس المدائن ‘القرارة’ الواقعة في سهل وادي ميزاب من الجنوب الجزائري يجمع للفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ من الأعذار ما يرفع عنه قلق الحرج المتأتي – احتمالا – من رميه بأنه أسير بيئته. فهي مدينة ناطقة، مهذبة، مهيبة وذات منظر خلاب. وقد عجزت صروف الدهور عن دحرجتها بعيدا عن سياقات الحضور التاريخي. ومع تعاقب قرون من تشييدها، فهي ماتزال تحتفظ بفيضها الإلهامي الذي يستقطب كل ذي حس ناعم ورهيف. وهي مدينة بنيت من مواد بسيطة، ولم تصقل جدرها وأرضية أزقتها بالرخام اللامع الأملس والمرمر الشفاف. وتغلبت فيها البساطة في التخطيط والتشييد على التعقيد والتركيب في التشكيل. ولسائل أن يسأل – إذن – فما المغري فيها؟. إنها الروح المتحركة التي تسكنها، والتي فجرت في كل درب من دروبها الضيقة، وفي كل ركن من أركانها شلالات الجمال الساحر والأخاذ كبريق أشعة الشمس في لحظات إشراقاتها الأولى أو حين غروبها، وأخذها مظهرا يسبي الأنظار ويخطف العيون من محاجرها.
تصنع الآفاق المفتوحة والفضاءات المغلقة والمسدودة التي تعلق بها الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ نوافذ ينظر من خلالها بحكمة ونفاذ بصيرة على مواطن الجمال السابحة بأجنحتها الحريرية في أفق التاريخ. ورغم امتداد مشوار هذا الفنان التشكيلي أشواطا، وانتقاله مرتحلا بين الأمكنة والأزمنة، إلا أن درجة التأثير التي ألحقتها البيئة المحلية بشعوره، وكرستها في ذهنه ووجدانه جعلت منه ظاهرة فنية مشبعة بالخصوصية. فالمسجد الذي تعلو ناصيته كل الأبنية التي تجاوره، والأبواب المتخالفة والكوات الصغيرة والفناء والمدخنة والخبيئة والسرداب الذي ينزل في الأرض بمقدار طابقين أو أكثر ودرجات السلم الترابي الملتوي والسقوف المحمولة والمستندة إلى جذوع النخل لا تترك حيزا، ولو ضيقا، يسكنه الخيال وإن أوتي منه صاحبه مقدارا غزيرا. فكم مثلت هذه العناصر مجتمعة أمام الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ عناصر تنساب بخصوبة ملأى بالطاقة التعبيرية المتجددة.
تجاوز الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ المحاكاة الدقيقة للتخلص من تفاقم سلبيتها المريرة. وسار في منهجه على إيقاعات واقعية مبتكرة جمعت بين ملامح الجمال وروح الفكرة. فهو لا يغازل ما تراه العين ماثلا في مرماها، وإنما يمضي ملمحا إلى ما خفي عن الأبصار التي لا تتوقف حدتها عند الماديات. وبفضل الركون إلى المزاوجة، استطاع الإستئثار بالجمع بين نور الجمال وضياء الأفكار في تآلف و اتساق. وإن ظلت ملامح الجمال المقصود صامدا، فإن الأفكار التي تعيش في كنفها حافظت على مآثرها من الأفول.
يمارس الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ واقعيته برؤية مغايرة في أصولها وأهدافها عن رؤى الآخرين. ويجعل متعة ما ينشئ من لوحات في حمل المتفرج عليها ليكون شريكا في توطين الفكرة المحتجبة التي تسقى من الوعاء الروحي الذي كان سببا خالدا في النتيجة التي تشي بها المدنية الميزابية.
إن الجمال الذي يقال عنه أنه ينفي حضور الفكرة ويدفعها إلى الإنكماش، لا يمنحه الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ هذه المزية المتغطرسة، لأنه يتعمد إلى إحداث التوازن الذي يتوزع طرفاه بين تحقيق متعة الإبصار والتدريب على التفكير. ويبقى على من يتفرج على لوحاته أن يجاري ما يفعله قارئ نص أدبي مبهر لغويا، إذ لا مناص له من تنشيط فكره وإعمال قدراته العقلية لاستيعاب ما تحمله السطور وما يرقد بينها وخلفها لاستدرار مكتنزاتها الدلالية. وهي القراءة الإيجابية التي تبني الميولات الذوقية وتروض العقل على الإشتغال. والناظر المزود بهذا الملكة هو شريك مكمل لما تحيكه يد الفنان إبراهيم مردوخ من الخطوط والألوان.
يضمر الفن، أي فن، لغة عاطفية هسيسة وخفيضة، تتوارى في أسمال التستر والإحتجاب، ولا يمكن اكتشافها إلا من بعد تحقيق الإشباع العقلي الذي يأتي به التأمل الكلي الذي ينفر من النظرات المفككة والمجزأة، ولا يتوقف من نشر خيوط الربط بين البدايات والنهايات لاستدرار الخلاصات المرجوة. ويبدو أن الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ ينهج في تجاربه التشكيلية نهجا أفلاطونيا لما يرفض عن وعي الفصل في أعماله التشكيلية البديعة بين مناحيها المادية وجوانبها الروحية، وينظر إليها كصنوين متشابكين.
تمارس إنجازات الرسام إبراهيم مردوخ حضورا كثيفا ومتعاقبا للماضي في الحاضر، وبذلك يمنح للفن وظيفة أخرى أشبه ما تكون بالسرد والحكي الصامتين. وإن إدراكه الفني بعالم التراث أذكى عبقريته، ودوّن بفضله سطورا يمكن ضمها إلى التدوينات التاريخية التي سمت بمصداقيتها. وحينما يقف مدافعا عن الإستمرارية ونابذا للقطيعة والإنفصال، فإنه لا يستسلم للتراكمية التكديسية التي تفتح بطنها لاحتضان كل ما تصادفه. وأما الأزمنة – في نظره – فإنها تتقاطع وتتدافع وتسقى من بعضها، ولكن من دون أن يسود زمن على آخر، أو يتجرأ على إلغائه وطمس معالمه وأفضاله.
تنفر لوحات الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ التأويلية التي لا تقتنع بقراءة واحدة لغلبة الخصوصية في أهم لوحاته. وهو لما يقتبس المعاني الزاخرة والبديعة للتراث المادي الماثل أمام أعين الناظر، يرفض أن يصب عليه إملاءاته المضجرة طردا للحصر. وفي كل أعماله، ينحاز عن فطنة إلى إبقاء الجسم معانقا لجمال الروح المصفى مع انقطاع تام عن الفراغات التي تتزاحم فيها الأسئلة. والتفاعل الذي تجرفه الأحاسيس بعد تفاعلها مفعم بالإستحسان الذي يمهد للإندماج. فعندما يقف أحدنا على أطلال مدينة رومانية، على سبيل التمثيل، يتلبد فيه الشعور ويتكلس ويخبو نبضه ولا يذهب به التأمل بعيدا. وقد تنتابه سلسلة أسئلة القلق الوجودي المادي والمجرد. ويمضي الحال على خلاف ذلك، لما يزور رسوم مسجد سكنت فيه الحركة التي كانت تملأ أرجاءه، كمسجد القيروان أو جامعة الزيتونة أو أية حاضرة إسلامية أخرى. فالصروح المادية في هذا الموقف الثاني تخفي في جنباتها قيما معنوية يتفاعل معها العقل والقلب والوجدان تفاعلا مؤثرا، لأنه قطعة من الذات الجماعية التي تحْيي انتماءه. فالطين والحجر في الموقفين هو من طبيعة واحدة وأصل مشترك، إلا أن اليد التي لمسته وعملت على بريه هنا تختلف كلية عن اليد التي لمسته وعجنته هناك.
قال لي الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ واصفا تعرجات تجربته الفنية يوم أن حللت زائرا له في مسكنه: (أنا لصيق بالواقعية لصقا لا يعرف الفراق، وكلما أومأت لي نفسي للخوض في أسلوب آخر، إلا ووجدتني عائدا إليها بسرعة. فهي ـ أي الواقعية ـ تستميلني أكثر. وأنا أجد فيها كل راحتي ومبلغ متنفسي). وفي نظري، يخلو هذا الرأي من أية غنيمة تدر عليه مساعدة مجانية، فالواقعية عند الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ لا تصل به إلى الحد الذي تستحيل فيه فرشاته وأقلامه إلى آلة تصوير فوتوغرافية تدفع إلى مستعملها صورا موغلة في التفاصيل والتدقيق، وإنما يستبقي في واقعيته أشياء مستلقية في الظل عن قصد يتحمل إتمامها من ينظر في لوحاته.
يبرز في أعمال الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ الخط المنحني الذي تكون دوائره كاملة أو ناقصة بروزا سائدا وبائنا. وهي صورة ملمحية ثابتة في العمارة العربية الإسلامية توظف لترسيخ المتانة والقوة على التحمل. وتفرض مثل هذه الخطوط نهاية على العين لما تعكف على الإبصار، مما يساعد صاحبها على جمع جزيئات انطباعاته بخلاف بعض الخطوط المستقيمة التي لا تتوقف عن الإستطالة امتدادا في الحقل البصري لمن ينظر إليها. والإستدارة، حتى وإن لم ترسم متقنة، تثري اللوحة وتزرع في أرجائها الراحة والإطمئنان. وهي في بعض الأحيان مشروع تصميمي مفتوح على المجاز والإستعارات؟؟.
تحتل الأصباغ والألوان في لوحات الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ مواقعها للتزيين وللتصنيف معا. وانتقاؤها مكسو بالبساطة التي تفرضها البيئة الصحراوية قبل أن تؤذيها ملوثات عصر التصنيع. وتكاد تنحصر عناصره اللونية في جل أعماله التي تفحصتها في عدد محدود من الألوان. ويوظف الألوان المركزة والخفيفة توظيفا يستحسنه الذوق السليم، ولا يتعرى من الإنتقاء والتسويغ. وقلما يجد في نفسه ميلا إلى المبالغة في تسخير الألوان الزاهية. وما يشد الإنتباه، هو أنه يمنع التداخل بين ألوانه على أسطح لوحاته، لأنه يرسم حدود أشيائها وعناصر المتتاخمة رسما بارزا.
تتميز مواهب الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ بالتنوع والتناسل، وفضلا عن الرسم والنحت اللذين نبغ فيهما نبوغ المتفوقين، فإنه مارس العمل الصحفي والإنتاج الفكري. وتوجد في حوزته عدة مؤلفات على قدر معتبر من الأهمية لما قدمته للمكتبة العربية من زيادة وثراء. ويتقدم إنتاجاته الكتابية ويتصدرها كتاب قيّم موسوم بـ: “مسيرة الفن التشكيلي بالجزائر”، و فيه زبدة وخلاصة نبش تاريخي رافقه كدح أحسن استدرارها وجمعها ولائحة تضمنت مناهج سير مختصرة لما يتعدى ثلاثمائة فنان تشكيلي جزائري تناول نبذا عن حيواتهم الفنية وإضاءات عن اتجاهاتهم ومدارسهم التي ارتووا من سواقيها. ويبدو أنه عاقد العزم على مراجعة هذا المؤلف وتنقيحه وتوسيعه مستدراكا ومتمما ما سقط منه في محاولته الأولى قصورا أو نسيانا لدفعه إلى أيدي القراء في طبعة مَزيدة.
من حق زينة مدائن الجنوب الجزائري ‘القرارة’ أن تفتخر بابنها الفنان التشكيلي إبراهيم مردوخ الذي أخلص في تسطير جانب وضاء من مجدها الثقافي القشيب. فهنيئا لها ولأهلها الكرام الأسخياء.
لمباركية نوّار ـ باتنة يومية القدس العربي



