الفرارُ إلى الله

الحياة الدنيا دارُ ابتلاءٍ وامتحانٍ؛ فهي لا تخلو من تقلّبات ومحنٍ يُختَبَر بها صدقُ الإيمان ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت:2-3)
قدّر الله أن تشهد منطقة غرداية أحداثَ عنفٍ وتخريبٍ سقطت فيها ضحايا وأحرقت متَاجِرُ وبيوتٌ وهُجِّرت عائلاتٌ…ولستُ أقصد من مقالي هذا تقديم حصيلةٍ عن نتائج الأحداث فقد تولّى ذلك ربُّنا الرقيبُ الحسيبُ وأوْدَع تفاصيلَ الأعمال في كتاب، وأوْعدَ الظالمين أشدَّ العذاب ﴿وَلاَ تَحْسِبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُوَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الاَبْصَارُ…﴾(إبراهيم:42) إنّـما أريد أن أذَكّرَ نفسي وجميعَ إخواني المواطنينَ في منطقة غرداية الجريحة ورحاب جزائرنا الفسيحة وأحذّرَ من شرِّ عواقب هذه الأحداث الخطيرة في الدنيا وفي الآخرة، وقد قال الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله النذير المبين :﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ. وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ـ اخَرَ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾(الذاريات:50-51) فنصيحتي إليك أخي المؤمن أن تجعَلَ هذه الآية الكريمة نصبَ عينيك وتَدَعها تحتلّ أكبر مساحة من عقلك وقلبك، وتُذكّرَ بها مَن حولَك… وسَتَجني ثمراتِـها المباركةَ بإذن الله تعالى في العاجل والآجل.
يجدُر التذكير بأنَّ الناس جميعًا في حالة فرار …أمّا السعداء ففِرارهم إلى الله سبحانه طلبا لمغفرته ورضوانه، وأمّا الأشقياء ففرارهم منه لا إليه! …إذْ إنهم ينشغلون عنه بملهِيات كثيرة ومنكَراتٍ – زيَّنَتْها لهم شياطينُ الإنس والجنِّ- تُبعِدهم عن ربِّـهم الرقيبِ الحسيبِ، وهُم يحسبون أنهم يُحسنونَ صُنعًا!!. فعندما يستحضرُ العبدُ مصيرَه الأبديَّ ويصدُق في محاسبة نفسه يتعرَّف على حقيقة حالِه ويكتشفُ اتّجاه مَسَارِه: أَهُوَ يَفرّ إلى الله أم يَفرّ منه؟ ﴿بَلِ الاِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوَ اَلْقَىا مَعَاذِيرَهُ﴾ (القيامة:14-15)
إنَّ الكيّسَ (الشاطرَ) ليس هو البارع في تبرير أخطائه وتمويه الرأي العامّ إنما «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ» أي: حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا. وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوَ اَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾(ءال عمران:30).
يُعَدّ “الفرارُ إلى الله” مفتاحَ السعادة في الدارَين؛ ذلك أنَّ الله الذي خلق الإنسانَ لم يتركه سدًى تتحكَّمُ فيه الأمزجةُ المتقلّبةُ والنظراتُ المصلحيّة الضيّقة… بل مَنَّ عليه بتحديد غاية الغايات من الحياة وأرشدَه إلى التزامِ الصّراط المستقيم المؤدّي إلى سعادة الدّارين، وحذّره من سبل الغواية التي تعترض مسارَ حياته، وتُذيق الخائضين فيها معيشةً ضنكًا، وما ينتظرهم من العذاب يوم القيامة أنكى إن لم يفرّوا إلى الله قبل فوات الأوان، ويَصدُقُوا في محاسبة النفس والاعتراف بأخطائها، والتّجرّد للحقّ واتّباعه -مهما بَدا مُرَّ المذاق- قبل المثول بين يدَي الله الواحد القهار؛ يومَ لا ينفع فِرارٌ ولا ندامةٌ ولا استغفار… ﴿فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾(الزلزلة:07-08).
أخي المؤمنَ البصير بعاقبة المصير: بما أنَّنا جميعًا نرجو السعادة فما علينا إلَّا أن نسلكَ مسالكها؛ ليَصرف الله عنَّا المحنَ ويُعيذنا من شرورها، ويشتركُ الجميع في الحاجة الضرورية إلى الفرار إلى الله، وتُحدّدُ الحالُ التي يكون عليها العبدُ ما يستلزم الفرارُ إلى الله من القيام به من واجبات؛ فالأحداث الأليمة –مثلاً- تتعلّق بها أطرافٌ عديدةٌ، منها: المخطِّط والمروِّج والمنفِّذ والضحيّة والمُشاهِد والأمن والعدالة، ومن المفروض أن يكونَ كلُّ واحدٍ من هذه الأطراف على يقينٍ تامٍّ بدوره الذي يمثِّله في هذه القضية، وبما أنَّ “الموقِنَ بالمصير يَـجِدُّ إليه المسِير” فإنَّه يتعيّنُ على كلّ مَن يريدُ مصلحته الحقيقيّة في العاجلة والآجلة أن يقومَ بدوره المنوط به:
– بما أنَّ الإنسانَ ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوَ اَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ فعلى العبدِ الواقع في المعصية أن يبادر إلى الفرار إلى الله؛ فيتوبَ إليه توبةً نصوحًا؛ بالاعتراف بذنبه والإقلاع عنه والندم والعزم على عدم العودة إليه، وسؤال أهل العلم عمّا يترتّب على ذلك من تبعات. يقول الله في سياقِ أَرْجا آيةٍ في القرآن الكريم: ﴿…وَأَنِيبُوا إِلَى رَبـِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَنْ يَّاتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾(الزمر:54)
– يشتركُ في إثم المعصيةِ المروّجُ لها المهيِّئُ لظروفِها المؤجّجُ لنارِها، فليحذَر الذين يَنقلونَ الأخبار خاصّةً المشتغلين في حقل الإعلام أن يكونوا من الفارّين من الله بسببِ صبِّ الزيتِ على النار وتضليلِ الرّأي العامّ أوْ مساندة أربابِ الإجرام؛ فما من كلمة تلفظتَ بها –أخي المؤمنَ- في إذاعة أو قناة تلفزيونيّة، وما من كلمة كتبتَها في جريدةٍ أو صفحاتٍ فايْسبوكيّة فاعلم أنّك ستسألُ عنها بين يدي الله تعالى، فاتَّق الله واحذرْ أن تبيعَ آخرتَك الباقية بِعَرَضٍ من الدنيا الفانية، وقديمًا قيلَ: “وإِنَّ الحَرْبَ أَوَّلُها كَلامُ”.
– وعلى الضحيّة المبتَلى بشيءٍ من المكروه أن يفرَّ إلى الله؛ فيؤمنَ بقضاء الله وقدَرِه ويحتسبَ أجرَه عنده متوكّلاً عليه مستنفدًا ما استطاع من الأسباب المشروعة لدفع الضرِّ عنه مبتدئًا بمحاسبة نفسِه لعلّ مصيبَتَه حصَلت بما كسبت يداه.. في هذه الإجراءات الإيمانية العمليّة تتمثَّلُ نصرةُ العبد لله فيستحقّ بها نصرةَ الله ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ..﴾(محمد:07)
– إنَّ المتفرّج على الأحداث -من عين المكان أو عبر شاشات التلفاز أو الحاسوب- يتحمّل جزءًا من مسؤوليّة واجب السعيِ نحوَ إخمادِها، سيمَا العقلاء منهم والمثقّفين وأصحاب النفوذ… فنُذكّر السادةَ المتفرّجين أنَّ “الفتنة تشتعل بظلم الأشرار وتستفحل بصمت الأخيار”، فعليكم أيها الشرفاء الأخيار أن تَفِرّوا إلى الله بالصَّدعِ بكلمة الحقّ وإخلاص الدعاء لإحقاق الحقّ وإخماد نار الفتنة، وما استأسد أهل الباطل إلا بضعفِ أهل الحقّ وتقصيرِهم في إظهاره؛ فاعلم أيّها المتفرّج على مسرح الأحداث الأليمة أنَّ سكوتَك -وأنتَ قادرٌ على الإسهام بشيءٍ في تغيير المنكر- خذلانٌ وإسهامٌ في تمكّن الظلم والعدوان. ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى اَلاِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:02)
نسأل الله العليّ القدير أن ييسّر لجزائرنا الغالية الأمن والاستقرار، ويسدّد قيادتَها لتوفير الأمن النوعيّ؛ بتكريس مبدأ العدل وقطع دابر الإجرام، وقلع جذور الفتنة والفساد… أعاذنا الله من شرّ الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما جاء في الأثر «إنَّ اللَّهَ يَزَعُ بِالسُّلْطَانِ فَوْقَ مَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ».
بفضل “الفرار إلى الله”؛ باستحضار كلّ واحدٍ منَّا –شعبًا وقيادةً- موقفَه بين يدي الله تعالى الرقيبِ الحسيبِ… تتمزَّق حُجُب الغفلة الكثيفة وتتجلّى أنوارُ الفطرة السويّة وتستعيد بذورُ الخير نموَّها فيتحرَّك في القلب الوازعُ الداخليُّ والشعور بثقل المسؤولية، ويثمرُ الاعترافَ بالأخطاء والمسارعةَ إلى التوبة النصوح، وتجديدَ العزم والنيّة وتحديدَ العلاقات مع الخالق والمخلوقات والانطلاقَ نحو المستقبل لتحقيق رسالة الإنسان في الحياة؛ وهي عمارة الأرض وإرادة الآخرة… ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ اَوُ اُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنـَّهُ حَيَاةً طَيـِّبـَةً وَلَنَجْزِيَنـَّهُمُ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(النحل:97)
أخي الجزائريَّ البصير بعاقبة المصير: إنّ “الفرار إلى الله” فرارٌ من الغفلة إلى اليقظة .. ومن ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، من المصالح الخاصّة والأنانيّة إلى التحلي بروح المسؤوليّة… فبفضل هذا الفرار يتحقّق المواطنُ الصالحُ الواعي والشعبُ المتعارِف الحضاريّ والبلَدُ المستقرُّ المتطوِّرُ العزيز… بفضل الفرار إلى الله يحيا الإنسانُ في الدنيا العيشَةَ الطيّبةَ ويسعدَ غدًا في فسيح الجنات والنعيم الأبديّ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (ءال عمران:185)
الحياة الدنيا متاع الغرورِ، فيا خسارةَ مَن كان فيها من جُندِ إبليسَ الغَرور، فلم يجنِ منها غير الشرور، «يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» وقد حذّرنا الله من هذا الصنف من الناس إذ يقول: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّـئُكُم بِالاَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الذِينَ ضَلَّ سَعْـيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنـَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾(الكهف:103-104)
«يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ تَمِّمْ وَأَبْشِرْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ… » فبفضل تعاون جميع الخيّرين وحسن توكلّهم على ربّ العالمين تُصدُّ الأبواب أمام الحاسدين المفسدين… ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ الذي يبشّرنا بانفراج الأزمة ونزول العافية!! إذ يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. اِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾. فطوبى لمن خلَقَه الله للخير وأجرى الخير على يدَيهِ!!.
د. حمو بن عيسى الشيهاني



