تواصل اجتماعي أم تباعد أسري؟

كيف كانت حياتنا قبل أن تنتشر التكنلوجيا الرقمية الحديثة والأجهزة الذكية وتسيطر عليها مواقع التواصل الاجتماعي؟ من منا لا يذكر جو الدفء والألفة في البيوت، والرحمة التي تفيض بين أفراد البيت والحي الواحد، ومن الذي سينكر الفارق في احتكاكه بمن حوله عامة وبأهله خاصة.
رحم الله أياما كان أقصى ما يشغل الناس عن بعضهم تلفاز، ذلك الصندوق الأسود الذي اخترق دائرة الأسرة فاتّخذ مكانا له بينهم وجعل جميع الأبصار تتجه إليه كقبلة جديدة رغم سلبياته إلا أنه وحّد الأسرة فكريا فكانت البرامج المعروضة محل نقاش بينهم وتبادل أطراف حديث وغالبا ما تكون تلك أجمل لحظات تجمع الأسر باعتبارها لحظات ترفيهية بعد عناء يوم طويل.
الفيس بوك وتويتر هاروت وماروت العصر…
يفرق بين المرء وزوجه، وبين الوالد وولده، كل فرد تقوده أنامله إلى هاتفه يقلب بين مختلف تطبيقاته وبين مختلف حساباته الخاصة لكل منهم شأن يغنيه عن الآخر.. يفتح جهازه فيغلق بابا بينه وبين أهله يلج عالمه الافتراضي ليتواصل مع صديقه في أقصى شمال الكرة الأرضية فيسأله عن جديده وكيف كان يومه وعن أدق تفاصيل حياته، وعلى بعد أمتار منه شقيقه ووالده أمه وأخته لم يكن له معهم حوار منذ أيام، أخوه الذي معه في نفس الجامعة لا يعرف عن أخباره إلا ما ينشره هذا الأخير على يومياته وأما عن أخته فهو ينتظر أن تنشر آخر صور الأطباق وبالطبع ذاك هو عشاء الليلة، أمثال هؤلاء وغيرهم كثير كانوا ضحايا هذه المواقع فبعد كل هذا أتساءل إن كان مصطلح “مواقع التواصل الإجتماعي” لائقا وأنها التسمية الأصح أم أنه حري بنا أن نسميها مواقع التباعد الإجتماعي ؟
إدمان أنيق..
إدمان سرّي مشهّر ومستتر ظاهر لا غرابة في تعاطٍ علني، مدمن لا تحمرُّ عيناه ولا ترتعش يداه، هالة من تنويم مغناطيسي، مخدرات يومية وأقراص منومة في أغلفة مشروعة، تلك هي مواقع التواصل الإجتماعي.
تساؤل آخر يحضرني هل خصص علم النفس تسمية ومصطلحا ما لهذا النوع من الإدمان فما يحدث من هوس على هذه المواقع من إعجابات وتفقد لإشعارات زرقاء، وتعلق إلكتروني حتى غدى هذا العالم الافتراضي جزءا من الواقع بل هو عالم حقيقي. كل هذا يدعوا لتصنيف نفسي تحت تسمية واضحة.
إذا كنت تتفقد مواقعك وحساباتك الإلكترونية أثناء تناولك لطعامك.. عند مجالسة أسرتك، إذا كنت تفضل العزلة على جهازك الذكي من الجلسات العائلية والنزهات مع الأصدقاء، إذا كنت تفكر في أشخاص افتراضيين أثناء عملك وعلى مدار يومك، إذا كنت تجعل من كل موقف تغريدة أو مسودة لمنشور يومي، إذا بدأت التعليقات اليومية تصنع يومك، إذا كنت زائرا لصفحة أحدهم ومرابطا عليها تترقب الجديد، إذا كان مزاجك يتعكر بسبب تجاهل أجوبتك وتسرُّ لكثرة الإعجابات وتزهو للمصفقين والمجاملات، إذا شعرت أن الأشخاص الافتراضيين أفضل من علاقاتك الحقيقية وأن عائلتك وأقاربك ليس بينهم تلك الحسناء الفصيحة وصاحب الحساب العبقري ذاك، إذا كان انقطاع شبكة الانترنت يزعجك ويخلط أوراقك، إذا كنت تمني نفسك بترك هذه المواقع في كل مرة ثم لا تلبث أن تقوم بتحديثها والعودة.
وإذا كنت ممن يشملهم قولي أعلاه أيها القارئ لكلماتي الذي تحدث نفسك أنك تقوم بجزء من هذه الأفعال لكن الإدمان مرض وهو لا يشملك بطبيعة الحال، دعني أخبرك بكل أسف أنك إن لم تكن من 6 بالمئة من المدمنين فأنت من 52 بالمئة من المهددين جدّيا بالإدمان حسب احتمالات رياضية وإحصائيات علم النفس.
قد يتساءل البعض كيف لشيء غير مادي لا يلمس أجسامنا بشكل مباشر أن يكون سببا في الإدمان؟ والجواب في الحقيقة نعم يمكن لهذه الهالة المغناطيسية والمجالات الرقمية أن تكون إدمانا حقيقيا، لها ذات الأثر الذي يخلفه النيكوتين على العقل وذات المتعة والنشوة وذات الطلب والرغبة الملحة إذا دنت مستوياته في الدم، وهذا ما أثبته أهل الاختصاص.
فهذه المواقع عبء آخر على كاهلنا وقيد جديد يقيدنا فمثلا رد التحيات الصباحية والمسائية منها ومباركات الأعياد والمناسبات والشهر الفضيل والمجاملات من كل لون ونوع قد تصيب الواحد منا بالملل لكن وفقا للعديد من استطلاعات الرأي الأغلبية تقوم بالرد وتهدر أوقاتا رغم الملل ولم تستطع الخروج من الدائرة.
في بحث سريع في مقالات علم النفس حول الموضوع أصابني الفزع من النتائج والأرقام والإحصاءات والتنبؤ بمستقبل مظلم بالنسبة للعلاقات الاجتماعية فلم يمر علي فيما قرأت أمل ولا شبه تفاؤل بتحسن الوضع فالكل يشير إلى تقطع أواصر العلاقات وتشتت الأسر وتباعد بين أفراد المجتمع بل الأسرة الواحدة. وهذا ما يوجب علينا أن ندق ناقوس الخطر.
أسبوع من دون إعلام ..
من الحلول العملية التي أقترحها والتي قد تكون تجربة فريدة لمن أدمن هذه المواقع، الإنقطاع عن العالم الرقمي كلِّية والابتعاد عن الإعلام بأنواعه لمدة أسبوع والعودة للحياة البسيطة، والأكيد سندهش للفرق سنذهل لحجم الوقت الذي سنوفره، سنستغرب من أداء مهمات أكثر في وقت قياسي، سنكتشف من حولنا من جديد وسنشحن رصيد العاطفة الحقيقية فمن سلبيات هذه المواقع أن جعلت من العواطف لغة إلكترونية جافة بلا إحساس، وهذه كانت تجربتي لكن بمدة أطول كانت مقياسا حقيقيا أدركت به كيف أن هذه المواقع تستهلك منا حياتنا وتسرق خلسة أجمل اللحظات وأمتعها وكيف أن الواقع أجمل بكثير من الافتراض.
وختاما أقول لنوفر أوقاتا أكبر لواقعنا لنحاول قضاء عطلة آخر الأسبوع مع عائلاتنا لنرفع رؤوسنا المطأطأة على الشاشات، لنضع هواتفنا في أبعد نقطة من متناولنا، لندقق في الحب في عيونهم هم موجودون حقا مثيرون للاهتمام، تبادل الحديث معهم أفضل من الخواطر التي نقرؤها وأفضل من اللغط الذي لا ينتهي هناك. الحياة تدور خارج هذه العوالم التي أسرتنا مفعمة وحيوية ومليئة بالنبض، لا أقول قولي هذا لأني الأقرب منكم للكمال لكنها كلمات لي ولكم سعيا لتغيير نحو الأفضل وترميم علاقات وترقيع شرخ اجتماعي يتمدد قبل أن يتسع الخرق على الراقع.
مليكة بنت عيسى كروشي




مقال رائع جدا شكرا لك