والعافين عن الناس

ما أصعب أن يعيش الإنسان الهوان.. جميعنا نتعرض في حياتنا للظلم مهما كان صغيرا أو كبيرا. ونختلف في تعاملنا معه كاختلاف طبائعنا.
هي هكذا الدنيا جبلت على الصراع بين الخير والشر، ولن يتوقف ذلك مادامت الأرض وما دمنا عليها.
باختلاف جنسياتنا وألواننا فإننا نشعر بالغيظ حين نظلم، وفي أول وهلة نود أن ننتقم لاسترداد حقوقنا سواء كانت مادية أو معنوية.
ثم نتربص ليكون انتقامنا مجزيا وكل هذا يحدث ونحن في صراع مع ذواتنا بين الخير والشر والتساؤلات تنخرنا لماذا وكيف؟ وهل علي ذلك؟ وو…
أغلب البشر يشعر بالهوان بعد الظلم ويشعر أنه ضحية آنذاك. وليس أذل للبشر من ممارسة دور الضحية؛ حين تعتقد أنه لا طاقة لك ولا قوة لمواجهة الظلم، فتشعر بالألم والإشمئزاز من ذاتك، لأنك تعيش كإنسان مفعول به تقبل بالواقع وتسير تحت توقعات وسيطرة الأقوى منك..
في حين أنه لا قوة تعلو على قوة الله، ولا ظلم يقع ويذهب دون محاسبة، إلا إذا رضينا نحن بذلك!
حمل الضغينة والكره في قلب الإنسان منهكة، لأنها تستهلك حيزا من التفكير والشعور بالسوء كلما استذكر ظلما وقع عليه؛ يفكر في الإنتقام ورد الصاع صاعين إن استطاع إلى ذلك سبيلا.
ويعتقد أنه سيرتاح بعد ذلك! لكن هيهات..
خصوصا إن كان إنسانا طيبا جبل على الخير وكره الظلم.
ليس سهلا أن تسامح أو تتجاوز، وليس سهلا أن تطوي صفحة آذتك، أو تصفح وتعفو عن إنسان أذلك في وقت ما.
وليس جيدا أن تبقي أحدا في عقلك تستحضره كل لحظة وحين، لو تعلم كيف أن ذلك يحبط من العزيمة ويثبط سير الحياة.
فليس أجمل ولا أحلى من الحرية، حرية التفكير وحرية المشاعر، أن تفكر فيما تريد من أهداف ومخططات فيما يسعدك ويبعث فيك الحياة، أن تكون حرا لذاتك، وفي مشاعرك تنفق منها على من تحب، وتستغني عن كره الآخرين، تعيش اللحظة وتفكر في جعل المستقبل أفضل.
لو علم الإنسان الراحة التي ستعتريه بعد العفو والمسامحة، خصوصا حين يكون ذا مقدرة على رد المظلمة، لو يعلم تلك القوة التي يمده بها الله، والرحمة التي يمنحها له، ما كان ليفرط فيها أبدا.
كذلك النعيم الأبدي الذي ينتظره هناك في الآخرة، فإنه لن يأتي جزافا وإنما بجهد وعمل، بمخالفة للنفس والهوى في حبها للإنتقام، بإستحضار الله في القلب لحظة الغضب، بالإشفاق على من لم يفهم حقيقة الدنيا.
بالدعاء لنفسه وللآخرين بسلامة الصدر وضبط النفس وحسن الظن..
“وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”
صدق الله العظيم
اللهم اربط على قلوبنا، واجعلنا من المحسنين.
أم مريم



