من وحي القلمواحة المعرفة

مِحكُّ الإيمان

ومنا من يعيشها ويرى أنها نهاية العالم ولا أمل بعدها، وأنه لن يذوق طعم السعادة أبدا… ولكن سرعان ما يدرك خطأ تصوره، فيجد تلك الأيام قد حمل بعضها بعضا ورحلت كغيرها من الأيام، وإذا رجع بذاكرته لها يدرك أنها كالحلم الذي يراه  النائم لجزء من الثانية في ليلة ظلماء…

وهنا نجد سؤالا يطرح نفسه وبقوة ويبحث عن إجابة له: لما البعض يمر بمثل هذه الأيام ويخرج منها سليما معافى صحيح البدن والعقل، وقد زاد في قاموس أيامه خبرة جديدة، تزيده قوة وعزا وعلما وإدراكا لحقيقة الوجود؟؟؟ والبعض يخرج منها محطما تحطيما كليا منهارا لا حول له ولا قوة، يرى العالم مُسودا والحياة انتهت ولا فائدة من عيشه فيها؟؟؟ وقد يتمادى به الأمر إلى أن يسخط على القدر ويحطم رواسخ العقيدة في قلبه، والعجيب أنك قد تجد ما مر به  أقل بكثير أمام ما مرَّ به القوي الثابت… فما هو السبب يا ترى؟؟؟

هناك سرٌّ خفي لا يدركه إلا القليل ممن يتدبرون الأمور ويعقلون… إنه حبل الوصل بالله… فبقدر ما يشتد هذا الحبل ويزداد متانة تكون المصائب أهون وأسهل على المرء وعلى قلبه كالماء البارد رغم قساوتها… وبقدر ما كان هذا الحبل واهيا رقيقا كان حجم المصائب أضخم ولو كانت هينة وسهلة وسرعان ما يتقطع هذا الحبل أمام أول هزة وتلك هي المصيبة العظمى…

إذا إن لنوع العلاقة بالله أثر كبير على طريقة استقبالنا للمصائب والنوائب وطريقة مواجهتنا لها وأثرها على حياتنا، فإن الواثق بأن الله تعالى حكيم عادل رؤوف رحيم وأحنُّ على العبد من الأم على وليدها، وأن الله صادق الوعد، إذ قال في كتابه الكريم: { إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا} وقد قال أيضا: { وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}.

إن المؤمن بالله إيمانا صادقا ويقينا قويا يجعله كل ذلك يمر بتلك الأزمات والابتلاءات والمصائب رغم شدة ألمها صابرا مطمئنا مبتسما محتسبا الأجر عند الله… وذاك هو الصبر الجميل.. فتجده صابرا صبرا جميلا بابتسامة أمل واثقا من نصر ربه له وأن مع كل عسر يسر خفي… وتجده يعظك بدل أن تعظه، ويصبرك في وقت وجب عليك فيه أن تصبره، ويسرد عليك آيات حكمة الله من مصابه…. ذلك هو اليقين بالله الذي لابد أن نسعى جميعا لكسبه والتحلي به وإعمار قلوبنا منه… وندرب أنفسنا عليه…

فإذاً، إن المحك لمعرفة حقيقة علاقتنا بالله وقوة إيماننا هي منوطة بالابتلاءات والشدائد مهما يكن نوعها، فبقدر علاقتنا بالله وثقتنا به تكون مواجهتنا للنوائب، فعلينا بالسعي لتقوية هذه العلاقة لنخرج من الشدائد أكثر قوة وتحدي وإصرار وبلوغا لبر الأمان، فالدنيا دار ابتلاء وسجن للمؤمن وامتحان له.

 نانة زقاو

المصدر: فييكوس.نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى