من وحي القلمواحة المعرفة

مُقاربة حيويّة لنموذج “بذور الرّشد”

خلق الله الانسان في هذا الكون، وميّزه على سائر الكائنات الأخرى بِبعدين، أحدهما ماديٌّ طبيعي، والآخر روحي جوّاني، فكما أنه يسعى في الحياة بالكدّ والعمل والمكابدة والاجتهاد لكسب الرزق وإشباع رغباته الماديّة الوظيفيّة الحيويّة، فقد جبل الله هذا الإنسان فطريًّا على التّطلع إلى السّماء، وتَوجيه نَظَرِه إلى التّساؤل والتّأمل في أسرار الكون وألغاز الحياة، في رحلة بحثٍ دائمة عن معنى الوجود وسرّ الكون، كما كرّمه تعالى عن سائر المخلوقات بالحريّة التي تنصّ عليه إمعان النّظر والتّفكر في الكون للاهتداء إلى طريق الحق وإلى سواء الصّراط، ذلك لأنّ علاقة الإنسان بهذا الكون علاقة مترابطة وطيدة وصيلة، أشار إليها كتاب الله الكريم في عدّة مواضع، مخاطبًا فيها قلب الانسان و عقله، مذكّرًا إيّاه بالنّظر في الآيات، والتّأمل في المخلوقات، ليطمئنّ قلبه ويربط عليه بالإيمان داخل سيمفونية كونيّة بديعة، وجهاد روحيٍّ متّصل بإنسانيّة الانسان.

تبادر إلى الذهن من خلال هذا المقال، محاولة لتسليط الضّوء على علميّة بيولوجيّة فيزيولوجيّة حيويّة لأحد الكائنات الحيّة، بنظرة إيمانيّة وبعد توحيدي، ثُمّ محاولة اسقاطها على نموذجٍ إنسانيّ حضاريّ، بهدف التّأمل والتّفكر واستنباط العِلل والأحكام، وعرضها للعقول والقلوب المجتهدة، علّها تلقى القبول أو الرّفض، التّعديل أو التّصحيح، المناقشة أوالإثراء.

فقد يَعتَبِر أيُّ لبيب في وقتنا الحالي، مهمّة التّربية مهمّة حضاريّة أساسيّة، بصلاحها تصلح الأجيال وبسقمها تفسد، إضافة إلى ذلك، قد يعتبر مَفهُوم نَموذج بذور الرّشد، من بين الصّور الإدراكية القويّة المُقرِّبة للمعنى في هذا السّياق، ذلك الذي يرى من خلاله الأستاذ/الأب/المربي ذلك الإبن/التلميذ/الطالب كبذرة صالحة، يتوجب عليه أن يكلأها بالعناية وأن يستفرغ الوسع في الرّعاية، ويحرص كلّ الحرص على تهيِئة سياق خصب ملائم، لَتكبُر وتنمو وتُزهر في المستقبل أينما حلّت وأينما ارتحلت. وهنا جميل إلى أن نطرح مقاربة في ذات النّبتة التي خلقها الله تعالى وأحسن الله خلقها وتسويتها… كيف لتلك البذرة أن تنمو وتكبر؟ وما المراحل الحيوية التي تمرّ بها خلال هذه العلمية..؟، دائما من وجهة نظر وخلفية قلب مؤمن موحّد، ذلك الذي يريد استِلهام العبر والفوائد من جميل صنع الله تعالى.

تمر أي بذرة بمراحل معيّنة مدروسة، حدّدتها الأبحاث العلميّة، وجميل أن نقتبس تعريف بعض علماء الأحياء لفلسفة نمو البذرة أو –”رشد البذرة”- أنها حالة انتقال من حياة بطيئة، من حياة الرّكود، إلى حياة نشطة فاعلة، من خلال ثلاث مراحل أساسية نحاول المرور عليها سريعا:

1-    مرحلة الإغمار بالماء “Imbibition”: والتي توفر لها أساسا، سياقًا خِصبا مساعدا وملائما لقَدح فتيل سلسلة تفاعلات كيميائية إنزيميّة بعدها، ويمكن أن نتخيّل هذا المفهوم عند الانسان كتلك الرؤية الكونية التوحيديّة والتي تعتبر أرضيّة صلبة لكل فتى/بذرة يُؤمَل رُشده، والتي يجب أن يتشبّع بها وينغمس فيها، لينطلق من خلفية إيمانيّة راسخة تساعده على الثّبوت وتبصّره بمعالم الطريق.

2-    مرحلة الاحتراق الداخلي والتّفاعلات الحيوية: التي تتمثّل في عمليّات كيميائيّة داخليّة لاستهلاك المخزون الطاقوي والتي تؤمّنها إنزيمات خاصة؛ هذا في النّبات.. أمّا في النموذج الانساني، إن تكلّمنا عن الفتى/البذرة فقد نمثّل لعملية الاحتراق تلك، بذلك الحوار الدّاخلي، وبسؤال الإنسان نفسه عن محوريّة دوره ورسالته في الحياة، عن ذلك الهم والقلق المؤرّق، والباعث له للمضي قدما للإصلاح في الكون.

3-    مرحلة نمو البذرة وخروجها إلى معترك الحياة بِرصِّ جذورٍ صلبة في الأرض وإعلاء ساق شامخة وأوراق نحو السماء، لتنسج بهذا الحال، ذلك التناغم الفطريَّ بين رغبات الإنسان الأرضيّة الطبيعيّة وتطلعاته للسماء، فتنمو البذرة وتكبر وتورق وتثمر خيرًا وبشرًا، متوازنة فكريًّا وعضويًّا، ماديا ورحيا، لتنفع بذلك الأمّة والمجتمع أينما حلت وارتحلت، وتُسهِم أساسًا في تخصيب التّربة المنغرسة فيها وانعاش الجوّ المحيط بها، فتغدو كائنًا حيًّا راشدًا بعد أن كانت بذرة رُشد.

عبد الهادي الشيخ صالح

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى