“فقاعة الصابون” … وما بعد “فقاعة الصابون”

حين تتعالى في الأجواء “فقاعاتُ الصابون” يلهو الأطفال وخِفاف العقول بها؛ ثم لا تلبث أن تعود إلى “مبدئها” وتؤول إلى “مُستقرِّها”، فتذهبُ مثل الزبد “جُفاءً” – حسب التعبير القرآني – أمَّا ما ينفع الناس فيبقى صامدا، ويمكث في الأرض، يدوم نفعه وينتشي أثره.
اليوم، وقد انتهت الانتخاباتُ، وطارت الفقاعاتُ بعيدا، بعدما أحدثت دويًّا، ودوَّخت عقولا، وزلزلت أفئدةً، وألقت بظلال الفتنة على رُقع شتى من بلادنا، ثم سالت على إثرها دماءٌ بريئةٌ، وسال كذلك جراءها حبر قاتم اللون… فاكتشف الجميع أخيرًا أنها ليست “نهاية التاريخ”، ولا هي “القيامةُ الكبرى ولا الصغرى” كما كان يصوَّر لهم؛ وإنما هي “البداية”، وهي” بداية البداية”، بل هي عودة الأمور والأسئلة المحيرة إلى نصابها…
يا ترى، نسأل جميعا، ونحن حَيارى:
مَن هم الصادقون، ومن هم الكاذبون؟
مَن هم الموفُّون، ومن هم الجائرون؟
وكيف نميِّز الغثَّ من السمين، والصواب من الخطأ؟
وأين هم اللصوص المتخفُّون، والقتلة الملثَّمون، والفُتانون المتملصون؟
بل، أين العامِلون بوفاء وحبٍّ، وجهاد وهجرة، لصالح هذا البلد الجريح؟
وأين هم الانتهازيون المصلحيُّون، الذين يبيعون المبادئ بدينار ودرهم، وثمن بخس دراهم معدودة؟
على أيِّ مُهج، وعلى أيِّ سواعد، وعلى أيِّ أفئدة… ستقوم البلاد في اللاحق من الأيام، والشهور، والأعوام؟
هل من شُعاع للأمل، وهل من فجر مرتقَب، وهل من غدٍ مُشرق، وهل مِن تفاؤل مبرَّر؟
*******
لكلٍّ جوابه، ولكلٍّ تقديره، ولكلٍّ مواقفه، ولا حَجر على أحد…
لا ادعاء ولا مغالطة، ولا ظنَّ أننا نملك الحقيقة ناصعةً، ولا أنَّ الآخَر يتلطخ بالباطل مكفهِّرا…
وإن كان لنا من رأي، فهو أن لا شيء مما نحن فيه، وما كنا فيه، وما نحن آيلون إليه… لا شيء خَضع للنظر الحكيم، والبحث القويم، والفكر الرصين، والدراسة المتأنية…
لا شيء من ذلك دخل “فرن مخابر البحث العلمي”، ثم خرج منها ناضجًا صالحا، نافعا رافعا…
لا شيء من ذلك تحقق؛ وإنما نحن عرضة – بكلياتنا – للتخبط، والرأي الطائش، والقول المبعثر، والفعل الأعرج، والتخطيط السكِّير، والفكرة الشزراء…
وبالمقابل، ثمة “مراكز بحث عالمية”، تفصِّل لنا “قميصنا سراويلَ” – كما في المثل العاميِّ الحكيم-، وتقيس لنا الهزات والتقلبات بالمقاس الرفيع، وبالميزان الحصيف؛ ثم نتحول على يدها إلى “دمًى متناحرة”، وإلى “عرائس للكراكوز”، تحرِّكنا خيوطه، وتفور بنا رغباته وشهواته، وتشتتنا مصالحه ومطامعه…
يقول إدوارد سعيد عن “علم الاستشراق”، إنه “المؤسَّسة الجماعية للتعامل مع الشرق (والجزائر شرقٌ، وكلنا في الهمِّ شرق)، والتعاملُ مع الشرق معناه: التحدُّث عنه، واعتمادُ آراء معينة عنه، ووصفُه، وتدريسُه للطلاَّب، وتسوية الأوضاع فيه، والسيطرة عليه… وباختصارٍ، الاستشراق أسلوبٌ غربيٌّ للهيمنة على الشرق، وإعادة بنائه، والتسلط عليه”…
فهل، هذا الشرق، وهذا البلد منه، وهذه البلدة من عمقه، وهذا الحي، وهذه المدرسة، وهذه الشركة، وهذه الجمعية… وكلُّ مكونات “شرقنا المأزوم”، هل هي “خاضعةٌ للبحث والعلم”؟ أم أنَّ الجهل هو البوصلة لحركته وحركيته؟ ثم، هل البحث في ذلك، من منطلق “النية الصادقة”، وبمنهج “المتَّحد العلمي”، و”الجماعة العلمية”، و”مراكز البحث الدائمة”، أم هي نظرات فردية، وكتابات أُحادية، وتقارير يومية، ومقالات إعلامية… وكفى؟
هذا هو الرهان، ومِن هنا تكون البداية، إنه محكُّ المرحلة، بل هي “مرحلة الاختبار”…
فهل نحن فاعلون؟
وهل سنعمل على إنهاء مرحلة “فُقاعة الصابون”، ونشرع في السؤال عما بعد “فقاعة الصابون”؟
الله تعالى أعلم، وهو القائل سبحانه: “ولقد فتنا الذين من قبلهم (كما فُتننا نحن) فليعلمنَّ الله الذين صدقوا، وليعلمنَّ الكاذبين”، وهو القائل تعالى شانه: “طاعةٌ وقول معروف، فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم”.
د. محمد باباعمي
المصدر: فييكوس نت



