تأملات وأفكارواحة المعرفة

“دفتر شروط” لاستصدار “فرعون جديد”..!

“السوبرمان”، “سلاحف النينجا”، “غريندايزار”، “البوكيمون”، و”البات مان”… ليست مجرد أفلام كرتونية بريئة تهضمها عقول أبنائنا الغضة الطرية وهي متكئة على أرائك حين تحتسي قهوتها الصباحية، أو ترتشف كأس شاي مسائي (منعنع)، فالسؤال الذي يطرح نفسه ما الذي تهضمه هذه العقول الفتية (إضافة إلى القهوة والشاي وما صاحبهما طبعا) وهي مسترخية، مبتسمة، غير متشنجة؟

تتحول هذه المشاهدات الكرتونية في عقل المتلقي وقلبه إلى “صور إدراكية”، وبعبارة أخرى إلى “نظارة ذهنية” يبصر من خلالها العقل الناشئ الواقع، وتتحول الشخصيات الكارتونية الوهمية إلى “شخصية رمز” (IDOL) تتقرب إليها عقول وقلوب أبنائنا زلفى؛ فتتماهى معها، وتتمثلها في حركاتها، وذوقها، ومزاجها، فتتسرب إلى القلوب “صورة السوبرمان”، ولكن ليس فقط؛ لأن أخطر ما ينتقل هو “سيناريو القصة” الكامن؛ والذي يصير “رؤية” محدِّدة في فهم الفتى للكون من حوله؛ فيقرأ وَفقه عوالم الأشياء، والأشخاص، والأحداث…

وفق هذه الرؤية تغدو الحياة، في عينَي هذا الناشئ المستلقي على الأريكة ليحتسي قهوته: محطّةَ انتظار لقوة “فوق بشرية” (رجل أبيض: في أغلب الأحيان أوربي أو أمريكي برداء أحمر، وذؤابة ممشوطة…) تفكّ له أخطر التحديات، وتجيب له عن كل أسئلته، وتمنع الخراب والدمار عن وطنه، والموت والحبس والاختطاف للأهل الأقربين، وتشل عصابات الملثمين والمتآمرين؛ وفي هذا رسالة واضحة أن بقية البشر تقف واجمة عاجزة لا حول لها ولا قوة إلا التفرج والشلل…

حالة الانتظار هذه تتحول من سيناريو القصة المضمر في فلم كرتوني إلى “موقف كوني” غير مستوعَب غالبا، وتستحيل إلى فكرة صماء في الحياة اليومية لبني الإنسان، فيعتقد المرء مثلا أنه بحلول “فلان” مكان “علان” في المنصب والوظيفة: ستنقلب حال المؤسسة أو الشركة أو الدولة من سَفَه إلى رشد، ومن غيّ إلى سداد… أو يسلّم بأن ثمة طاقة “فوق بشرية” يوما ما ستُحيل الحصيد قائما، والعييّ رائدا؛ ويعتقد عابثا أن انتخابات هنا أو ثورة جارفة هنالك كفيلة بحلول البطل المنتظر، والسوبرمان المرتقب…

قد يتجاوز الفتى في الجرعات المحدّدة له من الأفلام الكرتونية والألعاب الإلكترونية، فيرى، هو في نفسه، ملامح إنسان فوق-إنساني بإمكانه أن يكون الترياق الشافي لكل أزمات الأهل والبلد، فيدعيَ لنفسه الحق المطلق، ويتفرعن في الموقع والمنصب، ويتأله في الموقف والرؤية: ولا يهمّ سلّم مسؤوليته أو صلاحيته لتحل به هذه الصفات؛ فكم لاقينا بوّابا متفرعنا، وشهِدنا مسؤولا متألّها…

كلتا الحالتين من التأله والتفرعُن عند بني الإنسان، أو الانغماس في حالة شلل وتكلسٍ انتظارَ حلول “سوبرمان جديد” قد تتدثر بخطاب المصلحة القومية، وقد تتستر بعباءة أو عمامة دينية (غير شرعية)، وقد تهِل غير بعيد عنا تحت مسمى العودة إلى الذات أو عبادتها، أو على جسر تنمية البشر وترويضهم في (سيرك الحياة)… والمحصّلة في نهاية المطاف واحدة: ميلاد سوبرمان جديد على حطام وأنقاض ملايين الدمى البشرية الباهتة الباردة…

ليس بيدنا اليوم من حيلة أمام هذه الآلات الإعلامية الهائلة، وفي خضم هذا التكلس الحضاري، والتشنج العضلي، إلا أن نخاطب العقل والقلب، ونستنفره، ونستفزّه؛ مذكِّرين إياه بأن: التاريخ لا يتغير إلا إذا تغيّرت أنت، ولا يتحرّك التاريخ نحو مسلك سديد إلا إذا أنت تحركت، ولا يحِل المدد الرباني والتوفيق الإلهي إلا إذا أنت مع إخوانك تآلفت وتناغمت، وليس الوجود يعزف سمفونية الرضى، والخير، والإحسان إلا حين تصفّر ذاتك وأنانيتك الفردية والجماعية…: إنها شفرة الانطلاق الحضاري والانبعاث بعد سبات فكري مقيت عنوانه: “ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك”…

ملاحظة: قد تكون صور مثل: البوكيمون، بات مان، السوبرمان، وغيرها أفلاما كارتونية (تراثية) عتيقة وبالية لكنها صالحة باعتبارها عينة للدراسة من جهة، وهي تعبر عن مصدر لقناعات الكثير من جيل القراء اليوم: وهم بالمناسبة الفئة المستهدفة من المقال.

أ.طه كوزي

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى