تأملات وأفكارواحة المعرفة

دور الإعلام الدعائي في التلاعب بالرأي العام العالمي -02-

أرى من الضروريِّ المرور مباشرة إلى تحليل وضعية غزة، وإسقاط هذه المبادئ الخمس* على الحرب ضدها.

فيما يخص مبدأ إخفاء الحقائق التاريخية، نرى أنـَّه قد نُفّذ وتَحقَّق بدقة محكمة ومنقطعة النظير،

فالشيء الذي يُعتبر من المحرَّمات ويُمنع منعا مطلقا التطرُّق إليه في وسائل الإعلام الإستراتيجية، وفي كبريات الصحف التي اعتادت أن تتكفل بمهمة صناعة الرأي العام في الغرب، هو كلُّ ما يتعلَّق بتاريخ إسرائيل الاستعماري والعنصريِّ، كما يتم إخفاء حقيقة ما تعرَّض إليه الشعب الفلسطيني من الممارسات العنصرية، وحقيقة أنَّ إسرائيل مارست منذ قيامها حملةً عنصرية منظَّمة، سعت ومازالت من خلالها إلى تهجير الشعب الفلسطيني، وذلك عبر مراحل منظَّمة ومحكمة، تصل إلى حد نفيه من أرضه.

المبدأ الثاني نراه أكثر في مواقف كلٍّ من أمريكا ودول الاتحاد الأوروبي؛ حيث تعمد هذه الدول إلى إظهار نفسها على أنها دول محايدة، تسعى لتحقيق السلام في المنطقة، وتجتهد لإيجاد حلول لإرضاء جميع الأطراف؛ في الحين أنَّ هذا غير صحيح، ومخالف لواقع الأمر؛ لأنَّ هذه الحرب الملحَّة على غزة قرَّرتها أمريكا لخدمة مصالحها الاقتصادية، وهي التي تقوم بتسليح إسرائيل بأكثر الأسلحة تطويرا، وتقوم في كلِّ عام بمنحها مبالغ مالية ضخمة، ومساعدات عسكرية كبيرة، كما تُعمل دبلوماسيتها لفرض غطاء من الشرعية الدولية على جرائم إسرائيل.

ومن الجانب الآخر تسعى دول الاتحاد الأوروبي لتقديم دعمٍ سياسي لإسرائيل، وقد قرَّر الاتحاد الأوروبي مؤخَّرا السماح لإسرائيل بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وفي كلِّ مرة تقوم إسرائيل بالعدوان على غزَّة يخرج الاتحاد الأوروبي للتعبير قائلا “نعم…، ولكن لإسرائيل الحقُّ الشرعي في الدفاع عن نفسها.”

وتعتبر إسرائيل من أهمِّ الحلفاء الاقتصاديين للاتحاد الأوروبي في منطقة الشرق الأوسط، كما تجد دول الاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط سوقا مفتوحة ومهمة لبيع السلاح. وكلَّنا يتذكَّر قيام الرئيس الفرنسي “ساركوزي” بالتصفيق لوزيرة الخارجية الإسرائيلية أثناء زيارتها لأوروبا عندما قالت “إنَّ إسرائيل، بحربها ضدَّ غزة، تعمل على خدمة قيم ومبادئ الغرب في الشرق الأوسط.”

المبدأ الثالث يتجلَّى من خلال الصورة القاتمة التي ترسمها الترسانة الدعائية والإعلامية عن حركة حماس الفلسطينية، وهي تسعى جاهدة إلى منع تسليط الضوء على الأسباب التي تقف وراء مواقف حماس أو الأسباب التي دفعت الفلسطينيين لاختيار حماس ممثلا سياسيا لهم. وتقوم كذلك على إخفاء حقيقة أنَّ حماس مستعدة للتفاوض والتنازل من أجل الوصول إلى سلام حقيقي في المنطقة. الهدف من هذا، كما رأينا سابقا، هو التحكم في الرأي العام ومنعه من التفكير.

وبطبيعة الحال تسعى نفس الدعاية، وهذا نراه تطبيقا للمبدأ الرابع، لنشر صورة مخالفة تماما عن إسرائيل؛ فهي في نظرهم الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ولأجل هذا يجب إذًا حمايتها ومساعدتها لمواجهة عداء حماس لها. ونحن نعتقد أنَّ هذا الأمر مرفوض وغير حقيقيٍّ، فكيف نرضى أن تُعامل إسرائيل من هذا المنطلق، وهي الكيان الاستعماري، العنصري، الهمجي الذي عمل منذ قيامه على نبذ الآخر وإقصائه؟

علينا أن نعلم جميعا أنَّ إسرائيل ليست دولة ديمقراطية، وإنما هي نظام عنصريٌّ مماثل لنظام الفصل العنصري “الأبرتاد”، الذي ساد في جنوب إفريقيا ومورس بوحشية ضدَّ سكانها السود. ونحن نعلم أنَّ للغرب تاريخ طويل في الحركة الاستعمارية. وإذا أراد الغرب أن تـَغفر له الإنسانية هذا التاريخ المخزي، فعليه أن يتوقَّف فورا عن دعم إسرائيل، بل عليه أن يقف مواجها لها ولعنصريتها.

آخر مبدأ نتعرَّض له، هو عن احتكار المعلومة. إذ يمكن أن أسوق هنا نموذجا من بلدي بلجيكا، حيث تمارس رقابة شديدة على كلِّ ما يـُنشر بخصوص الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، إلى درجة أنه لا يوجد أحد يمكن أن يكتب أو يقول شيئا عن المسألة بكلِّ حرية، دون أن يتعرَّض للرقابة والتضييق. هذا ما يحدث بشكل متواصل في بلد يُعتبر من الدول الديمقراطية.

أودُّ هنا أن أقول إنَّ هذا الأمر لا يجب أن يثير اندهاشكم، فليس عليكم أن تطرحوا سؤالا عن لماذا وكيف يحدث أن تتخذ صحافة تدَّعي الحرية مثل هذه المواقف، وترتكب مثل هذه الأخطاء، التي تدفع للانحياز لطرف دون آخر؟! لأنَّ حدوث هذا أمرٌ طبيعي ومتوقع، باعتبار أنَّ الآلة الإعلامية عبارة عن منظومة متكاملة تسير وفق سياسة معينة، هدفها الأساس هو التأثير على الرأي العام وإقناعُه بمواقف حكوماته السياسية، وبضرورة الحفاظ على مصالح بلده الاقتصادية (عادة ما تكون هذه المصالح بين يدي فئة قليلة من الأغنياء) بالإضافة إلى المحافظة على مصالح الوطن وعلى مستقبله.

وإذا أردتم أن تعرفوا أكثر عن هذا، أنصحكم بالاطلاع على نص موجود في كتاب للجنرال البريطاني “كيتسون”. وللعلم، فإنَّ هذا الكتاب قد اختفى بسرعة من السوق وبشكل مثير للاستغراب؛ ولأسباب غير معلنة. والجنرال “كيتسون” معروف في بريطانيا وفي عدَّة دول من العالم، حيث اعتادت بريطانية إرساله لحسم الصراعات في مستعمراتها حول العالم، ومنها أيرلندا، حيث توجد منظمة الـ IRA التي تسعى لتحرير أيرلندا من الاستعمار البريطاني. وهو كذلك معروف بخبثه وبقدرته على القمع وتسيير الصراعات لصالح بريطانيا. وقد كتب “كيتسون” في أحد فصول كتابه عن هذه الحرب الإعلامية التي نتحدث عنها، فذكر أنّ “القمع العسكريَّ والبوليسيَّ لا يمكن أن ينجح بدون حملة دعائية منظَّمة تهدف لاستعطاف القلوب وإمالة الضمائر” وقد أطلق على هذا اسم “الحرب النفسية الإستراتيجية”؛ ويفسِّر هذه العبارة بالطرق التي استعملها، هو شخصيا، في قمع حركات المقاومة التي واجهها في المستعمرات البريطانية. ويلخصها كما يلي:

1. تكوين جميع إطارات الدولة من موظفي الوزارات والجيش والإدارة حتى يكتسبوا القدرة على التلاعب بعواطف الناس.
2. تأليف قصص وإشاعات تهدف لإضعاف الخصم ونزع الثقة منه.
3. إرسال قوى خاصة لتدبير التفجيرات وارتكابها ثم اتهام الخصم بها.
4. إثارة الفتنة الدينية والنَّعرات الطائفية بين جموع الخصم لإضعاف صفوفه.
5. القيام بالتعبئة المضادة بإنجاز وثائق وبيانات للتآمر على الدولة، ومن ثم نشرها واتهام الخصم بصياغتها ونشرها.
6. إثارة الخصومة والتفرقة بين عناصر الخصم، وذلك بتجنيد الجواسيس وإرسالهم لاختراقه.
7. منع الخصم من إبداء رأيه والتعبير عن نفسه، ومنعُه بخاصةٍ من الوصول إلى وسائل الإعلام العالمية كمحطات ذات متابعة وشهرة مثل BBC.
8. ضمان تواطؤ الصحافة العالمية، ومراقبة المعلومات التي تصل إليها.
9. نشر صور ووثائق، ثم توزيعها على الرأي العام العالمي، لتشويه صورة الخصم.
10. تجنيد الصحفيين كجواسيس على الأرض، وتمكينهم من اختراق صفوف الخصم.
11. استعمال الموسيقى برسالة غير سياسية لجذب الشباب.
12. إنشاء حركات تضليلية حيادية وعفوية، ثم تمويلها لتلعب دورا في إضعاف الدعم الذي يصل إلى الخصم.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: بعد أن عرفنا كلَّ هذا، واتفقنا عليه، ما هو المطلوب منَّا لأجل الوقوف في وجه هذه الدعاية الحربية المنظمة؟ حيث إنَّ المعرفة وحدها لا تكفي، وكلُّ ما قلناه هنا يبقى بدون تأثير فعليٍّ إذا لم نعرف كيف نوظِّفه للحد من تأثير الدعاية الحربية على الرأي العام العالمي.

المشكل الذي نعاني منه نحن المدافعين عن فلسطين في أوروبا هو مشكل الانقسام، و قبل أن أقدِّم شرحا عن هذا، وأقترحَ ما يبدو لي حلاًّ مناسبا، أودُّ أن اسرد هنا مثالا يظهر مدى تأثر الرأي العام الغربي بالدعاية المعادية لفلسطين، كما يبين مدى الأخطاء التي نرتكبها ونحن نحاول الوقوف إلى جانب الفلسطينيين والدفاع عن غزَّة.

في الحادي عشر من ديسمبر نُظمت مسيرة ضخمة ورائعة في بروكسل عاصمة بلجيكا، وقد خرج المئات من الأشخاص فيها للتعبير عن رفضهم للحرب على غزة وللمجازر التي ترتكبها إسرائيل هناك. وقد كانت هذه المسيرة من أهمِّ وأكبر المسيرات التي نُظِّمت في أوروبا، وقد كُنت يومها سعيدا جدًّا وأنا أرى العدد الكبير للأشخاص الذين خرجوا في المسيرة، لكن في نفس الوقت كنتُ متألما وحزينا؛ لأنَّ أغلب الذين شاركوا في المسيرة كانوا من أصول عربية أو من المسلمين، ولم أر سوى جزء لا يكاد يذكر ولا يتعدَّى 5 %  من المشاركين من سكان بلجيكا الأصليين. لم أكن سعيدا؛ لأنَّ الرأي العام الغربي لم يتأثر بأحداث غزة، ولم ينضم للمسيرة. والسؤال الذي طرحته حينها على نفسي هو: لماذا لم ينضم سكان بلجيكا من غير العرب والمسلمين للمسيرة؟

أعتقد أن هذا يعود لما سبق أن تحدثت عنه في هذه المحاضرة عن السيطرة الإعلامية التي مارستها الدعاية الحربية، فقد تأثـَّر الرأي العام في بلجيكا بما بثته وسائل الإعلام، وقد تابعوا جميعا نفس محطات التلفزيون، وبطبيعة الحال لم يتابعوا أخبار الحرب على قناة الجزيرة، وإنما على قنوات غربية، تتقن لعبة الدعاية الحربية. وإذا قارنا الصورة التي تبثها قناة الجزيرة عن حرب غزة والصورة التي نراها من خلال القنوات الغربية مثل RTL وTF1، ندرك حجم الفرق الموجود بين المعلومة التي يتلقاها المشاهد الغربي وتلك التي تصل إلى العرب.

في البداية تمتنع وسائل الإعلام الغربية، وبخاصة البلجيكية منها، عن إظهار حجم المجازر والجرائم التي ترتكبها إسرائيل، وكما قال لي أحد المتتبعين “إنَّ الجزيرة تتحدث عن مكان سقوط القذائف في حين أن RTL وTF1 تًظهر المكان الذي تطلق منه تلك القذائف”. بالإضافة للفوارق الموجودة في معالجة الخبر، والتي تتجلَّى من خلال هذه المقولة، نرى أنَّ الرأي العام مازال أسير أسطورةِ أنَّ إسرائيل تدافع عن نفسها ضدَّ هجمات حماس الإرهابية، وأنَّ حماس هي التي بدأت بالاعتداء على إسرائيل، في الوقت الذي نعلم فيه جميعا أنَّ إسرائيل هي التي قامت بكسر الهدنة وإطلاق شرارة الحرب.

ولتدركوا أكثرَ مدى التلاعب الذي تُمارسه وسائل الإعلام، عليكم أن تقرؤوا ما كُتب عن المسيرة في مقال تبنّته مجموعة من الصحافيين وهو موجود في صحيفة Le Soir البلجيكية بعنوان: “السلطة “لأصحاب اللحى”؟ لا شكرا!(1)

وفي المقال يحاول أصحابـُه، وكأنهم لم يشاهدوا نفس المسيرة التي حضرناها، تقديمَ صورة مشوَّهة عن المسيرة، لإثارة مخاوف الرأي العام، ويستندون إلى سلوك فئة لا تكاد تذكر من الأشخاص الذين حضروا في المسيرة، وانطلاقا من هذا قاموا بتصوير الناس الذين شاركوا على أنهم مجموعات سياسية إسلامية راديكالية بأفراد ملتحين (من هنا جاء عنوان المقال) يجوبون شوارع بروكسيل، وهم ينادونا بالجهاد، ويحملون شعارات مثل “الله أكبر”. ونحن نعلم كيف قامت الدعاية الغربية وفي سنوات عدَّة ماضية، بالتركيز على هذه المظاهر وهذه الشعارات، ومن ثمَّ ربطها في ذهن المشاهد الغربي على أنها مصدر تهديد إرهابي للمجتمعات الغربية. بالإضافة إلى العنوان المستفز والدعوات الكاذبة التي وردت في النص، فقد جاء في المقال على لسان الكُتاب وهم يخاطبون الحزب الحاكم ما يلي:

“نرجو منكم، أصدقاءنا، أن تتوقفوا عن التغاضي عن رؤية تصاعد التوجه الإسلامي غير المتسامح والمستعمِر والرافض للتقدم”
من هذا يتبيّن حجم التلاعب الذي تمارسه الدعاية الإعلامية، والذي يتعرَّض له الرأي العام الغربيُّ، وكيف استعملت المسيرة كدعاية مضادة للقضية الفلسطينية. وأنا أقول إنـَّه فعلا وجِدت مجموعة من الأشخاص الذين كانوا كما وصفتهم الصحيفة، لكنَّ أغلبية الناس لم تكن كذلك. وهنا أود أن أتحدَّث عن الخطاب الذي عليكم أن تتبنوه عندما تتوجَّهون بالخطاب بشأن فلسطين، إلى الرأي العام الغربي، وإذا أردتم أن تعرفوا أكثر عن هذا أنصحكم بالاطلاع على ما كتبه “طارق رمضان” في هذا الشأن، فهو لديه اقتراحات مهمَّة ومساهمات عديدة بهذا الخصوص، ويَعتقد “طارق رمضان”، كما أظن أنا شخصيا، أنـَّه يجيب عليكم عندما تخاطبون الناس، بخصوص فلسطين، أن تستعملوا خطابا عالميا، بمبادئ وقيم إنسانية مشتركة، بدل أن تمارسوا خطابا يُظهر القضية الفلسطينية على أنها قضية خاصة، لا تعني إلاَّ المسلمين أو العرب، عليكم أن تجعلوا منها قضية عالمية إنسانية تعني جميعَ سكَّان المعمورة، بهذا فقط تستطيعون التأثير على الرأي العام العالمي.

هذا ما حاولتُ فعله عندما قمت بشرح أسس الدعاية الإعلامية وإسقاطها على الصراع بين فلسطين وإسرائيل، فقد كان الهدف هو تقديم تحليل عامٍّ، يسمح لي بمخاطبة وحتى إقناعِ أشخاص بانتماءات متعددة، سواء أكانوا من الفلسطينيين أم اليهود، أو حتى أناسا بدون دين، الأمر بالنسبة لي سواء، إذ المهم أن أصل إلى إقناعهم بعدالة وصدق القضية الفلسطينية. وهذا باعتماد خطاب منظَّم ومدروس.

يمكنني الآن أن أقنعهم بالقول إنَّ هذه الحرب غير عادلة وقد نشأت لخدمة مصالح القوى الاستعمارية وأرباب المال، وأنّ ما يقال في الغرب عن الفلسطينيين ليس سوى أكاذيب، وعليّ أن أدعم كلامي بالأدلة وبالأمثلة حتى أصل إلى إقناع الناس بهذا، وإذا توصلتم فعلا إلى تحقيق هذا فاعلموا أنكم قد أنجزتم المراد بخطاب عالمي وفعَّال.

أتوقَّف هنا وأشير إلى أنَّ المسألة تحتاج إلى بذل جهد كبير جدًّا، ففي بلجيكا مثلا الأمرُ بغاية الصعوبة، فنحن نعاني من مشاكل كبيرة، والأمر يتعلَّق بكون أكبر الأحزاب السياسية في بلجيكا تراهن على إسرائيل، وتعتبرها الحليف الأساسَ لها. فأمريكا وأوروبا بحاجة إلى “شُرطي” في الشرق الأوسط، وإسرائيل هي أفضل مَن يقوم بهذا الدور، فهي شرطيُّ الشرق الأوسط، شرطيُّ البترول، مهمَّتها هي العمل على إلهاء العرب وتركهم في حالة من التبعية والخضوع والخوف الدائم. ولا أتحدث هنا عن اللوبي اليهودي الموجود بقوة في بلجيكا، وإنـَّما عن أحزاب بلجيكية لها تأثير كبير على سياسة بلجيكا، بخاصَّة الأحزاب اليسارية، فهذه الأحزاب لا تتجرَّأ أن تقول كلمة ضد إسرائيل ولا أن تصرح للرأي العام، بحقيقة الامبريالية الاستعمارية التي تقودها أمريكا، وكما يحدث مع الأنظمة الأوروبية فهي متواطئة مع إسرائيل في قمع الفلسطينيين.

هنا علينا أن نتحرَّك لنُثبت أنَّ هذه الأحزاب التي اعتادت أن تثير مخاوف البلجيكيين وهي تتحدث عن “حسن نصر الله” دون أن تعلم عنه وعن حقيقة المقاومة اللبنانية المهمة لإسرائيل شيئا، إنما هي أحزاب كاذبة هدفها متناغم مع أهداف أمريكا الاستعمارية، وهنا أتذكر عبارة لها دلالة مهمة  للكاتب الفرنسي “ريجس دوبري”(2) يقول فيها وهو يتحدَّث عن النزعة العقلية الاستعمارية الموجودة لدى الأنظمة الأوروبية: “لقد نَزعت الأنظمة الأوروبية قبعاتها الاستعمارية من على فوق رؤوسها، غير أنَّ الرؤوس، تحت تلك القبعات الاستعمارية، بقيت استعمارية”.

توجد عقلية لدى تلك الأنظمة، وبخاصَّة لدى الأحزاب اليسارية البلجيكية، تتوافق مع الماضي الاستعماري لدول أوروبا. أتذكَّر هنا عندما كنتُ صغيرا كانوا يقولون لنا، في المدارس وبخاصة في تلك المدارس التابعة للآباء الكاثوليكيين، بخصوص الحملة الاستعمارية لبلجيكا، والتي ذهبت ضحيتها الكونغو، يقولون: “إنَّ السود عبارة عن أناس كسلاء لا يعملون ولا يحبُّون العمل، وإنـَّهم أغبياء، وقد ذهبنا ولحسن حظِّهم، لكي نربيهم ونطورهم”. ولم يكن أحد يخبرنا بحقيقة ما جرى هناك من جرائم بشعة في حق السكان الأصليين على يد ملك بلجيكا “ليو بول الثاني” في حملته الاستعمارية بداية القرن التاسع عشر؛ وقد اكتشفت ذلك بنفسي ولوحدي.

انطلاقا من هذا، أودُّ أن أطلب منكم أن لا توبِّخوا الناس هنا في أوروبا على مواقفهم؛ لأنـَّهم كانوا ضحية حملة منظَّمة بخطاب استعماري سعى منذ البداية لإقناعهم بعدالة وضرورة الحركة الاستعمارية، وما يزال الخطاب مستمرٌّ، وقد طبع هذا الخطاب عقليةَ الناس في أوروبا، ويجب أن تأخذوا هذا الأمر بعين الاعتبار، وتعلموا أنكم في مواجهة أناس تعرَّضوا لنفس الخطاب بخصوص فلسطين طوال أكثر من ستين عاما. ولا داعي لتوبيخهم أو الاعتداء عليهم أو إقصائهم بسبب مواقفهم، يجب فقط أن تفهَموا كيف تم خداعهم وتكوين أفكارهم، وقد وضَّحنا هذا من خلال هذه المحاضرة، وبالتالي عليكم العمل على صياغة إستراتيجية ذكية للحديث معهم وإقناعهم بتغيير أفكارهم.

في النهاية أود أن أٌقول آخر شيء أختم به قبل فتح المجال أمام أسئلتكم: إذا أخذنا من كلِّ ما قيل من خلال هذه الجلسة أمرا واحدا، نكون فعلا قد حقَّقنا الهدف والمراد. فَأنْ يكون الحديث مع أشخاص مقتنعين بعدالة القضية فهذا أمر ليست له أهمية تُذكر ولا حتى فائدة، وأن نتحدَّث فيما بيننا، ونشعر بالراحة ونحن معًا، فهذا أمر جميل وجيد، لكن أيضا هو بلا فائدة, فليس هذا هو المطلوب.

المطلوب هو أمرٌ واحد، كما ذكرتُ، وهو أن نتوجَّه بحديثنا إلى أشخاص ما زالوا لم يقتنعوا بعدالة القضية الفلسطينية، أشخاصٍ تعرَّضوا لخداع حملة الدعاية الحربية، وأن نخاطبهم بأسلوب مُقنع، ومن أجل هذا يجب أن نلتقي ونفكِّر في كيفية صياغة خطاب جديد نتوجه به إلى الغرب.

أذكر هنا تجربتي في المجال، حيث إنـِّي قمت بإنشاء موقع(3) ، ناطق بعدة لغات (فرنسية، انجليزية، إسبانية) أدافع فيه عن القضية الفلسطينية، وعن قضايا أخرى، وأنشر فيه مقالات من جميع دول العالم، وبعضها أكتبها بنفسي، وفي ظل توفِّر الانترنت التي تسمح لكم بالتعبير دون أن تكونوا بحاجة إلى أموال أو إلى دعاية، يمكنكم بسهولة تحقيق الكثير من الأشياء المهمة في هذا المجال. وعليكم أن تحذروا ممن يحاول إقناعكم بأنكم عاجزون، لا تملكون فعلا حقيقيا، وأنَّ إدارة المعلومة تحتاج إلى أموال وصحفيين محترفين، فهذا غير صحيح؛ لأنـَّه بإمكانكم العمل في المجال الإعلامي، وكلُّ واحد منكم يستطيع أن يكون في حياته اليومية، ومن خلال عمله، والمعهد الذي يدرس فيه، صحفيًّا ينشر الحقيقة.

كما أتمنى أن تتأكَّدوا أنكم تملكون القدرةَ على الحركة، وعلى الفعل، وعلى التأثير وصناعة الرأي الآخر. وإذا أردتم فعلا التضامن مع غزَّة، ومنع الحروب القادمة ضدَّها، عليكم أن تنخرطوا، دون تردُّد، في النضال في هذه الحرب الإعلامية، وفي هذه المعركة من أجل الحقيقة.


(1) المقال بعنوان:”! Le pouvoir aux « Barbus » ? Non merci” موجود على العنوان التالي: http://archives.lesoir.be/?action=nav&gps=681417
(2) Regis DEBRAY
(3) الموقع موجود على العنوان التالي: http://www.michelcollon.info

بقلم المحاضر: ميشال كولون / ترجمة المحاضرة: فافة الشيخ صالح

المصدر: موقع فيكوس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى