من وحي القلمواحة المعرفة

أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة

الحمد لله رب الأنام، أوصى بالإحسان إلى الأيتام،وأمر لهم بجميل الرعية وحسن القيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أجاب السائل من الصحابة الكرام.

فقال جل في علاه: (ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم)

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وجده ربه يتيما فآواه، وضالا فأرشده وهداه، وعائلا فرزقه وأغناه صلى الله عليه وسلم القائل: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين من أصحايه ومن والاه

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله واعلموا رحمكم الله أن الله قد شرفنا بدين فيه سعادتنا، وأكرمنا بنهج فيه فوزنا وفلاحنا، حيث الرحمة والتكافل والتناصر، والمحبة والتعاون والتآزر. دين سعدت به البشرية، واستراحت بروائعه الانسانية، وتنامت بنفحاته الضمائر الحية، وأيقنت أن التراحم والتكافل ضرورة اجتماعية.
أيها الأحبة الأخيار :
متى نرد إلى خيريتنا التي حبانا الله بها عندما قال عز وجل:  (كنتم خير أمة أخرجت للناس)، هذه الخيرية أيها الاخوة : أن تنهض الأمة من كبوتها وترجع إلى حالة أجدادها وماضيها، حيث يحمل القوي فيها الضعيف والغني فيها الفقير والعالم فيها الجاهل، وبذلك تتكامل سواعد الأمة، وترجع مرة أخرى وتعيد الكرة، حتى تنال وسام خير امة أخرجت للناس.

أيها الأحبة الكرام :
كيف نرجع إلى خيريتنا ونحن في زمان ضاع فيه حق الأرملة والمسكين، الذين لا يجدون معينا إلا الله جل وعلا، بعد أن مات أبوهم الذي كان بهم رحيما، يحن عليهم ويمسح دمعتهم ويشبع جوعتهم ويحمي عطفهم وحنانهم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: * في كل ذات كبد حرى اجر*، فهذا بالنسبة للحشرة والحيوان، فكيف بالإنسان، فكيف بمن يسوق لقمة إلى فم ضعيف يتجرع مرارة الفقر والحرمان، فيا من أكرمك الله بنعمة المال بالله عليك لا تبخل، وأقبل بمالك سخيا لتنقذ ضعفاء المسلمين، ولا تحرم نفسك من أن يكون مالُك سببا في دخولك جنات الرضوان، فإن صدقة السر تطفئ غضب الرحمن، وتجلب الخير والأمن والأمان وفعل المعروف يقي مصارع السوء والخذلان.

أيها اليتيم إعلم : أن ربك قد شرفك بميزة من مميزات خير الأنام صلى الله عليه وسلم فقال جل في علاه :  (ووجدك يتيما فأوى) حيث أنه صلى الله عليه وسلم توفي والده وهو في بطن أمه فكفله جده عبد المطلب، ثم توفيت أمه وهو ابن ست سنين، ثم توفي جده  وهو ابن ثمان سنين فكفله عمه أبو طالب، حتى بعثه الله على رأسي الأربعين، فأوصاه جل جلاله وذكره قائلا: (فأما اليتيم فلا تقهر).

أيها الإخوة الأعزاء :
من منا يريد دخول الجنة؟ من منا يريد مرافقة الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة؟ من منا يريد أن يفرح ويدخل دار الفرح يوم يحزن الناس؟…

الرسول صلى الله عليه وسلم يبشر كافل اليتيم بالجنة فيقول: * من مسح رأس يتيم – لم يمسحه إلا لله – كان له بكل شعرة تمر عليها يده حسنات ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنت أنا وهو في الجنة كهاتين *، ولكن نفسيةَ الإنسان وطبيعهتَه تستنكف أن تشغلها بعجوز مريض، أو يتيم أو أرملة أو مسكين، والأجر في ذلك عظيم، والفرصة بعد هذه ربما لا تحين.

وخير البشرية صلى الله عليه وسلم يقول : *من عال يتيما حتى يستغني عنه أوجب الله له بذلك الجنة*، أخي المؤمن إن أردت أن تفرح يوم الحزن وتسعد وتطمإن يوم الخوف والإضطراب، فأنفق وأكرم ولا تبخل على الضعفاء والمساكين فهذا ربنا يقول : (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم  ولقاهم نضرة وسرورا *وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا)
أيها المؤمن أيها الكافل : طوبى لك هذا دليل على أن لك نفسا طاهرة، فأخلص عملك لله تفز بسعادة الدنيا والآخرة، فتنال رضى الله وتحضى بالجنة الزاهرة.

إن اليتيم أحوج الناس إلى العطف والحنان، فكن به عطوفا رحيما وله محسنا كريما، فأكرمه واعنه وعلمه وسامحه وزوجه وأسكنه، فإن أغلى ما تفوز به دخولك الجنة فكيف بمرافقتك  لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وطوبى كذلك للمرأة التي تصبر على أولادها الأيتام، خاصة القصارى والضعفاء والمرضى منهم، وكذلك الزوجة الصالحة الشريفة التي تصبر وتحن على أولاد زوجها الذين فقدوا أمهم وحبييتهم ومنبع حنانهم وملاذهم في جوعهم وخوفهم.
أيها الكافل الكريم:

انظرْ إلى وجه اليتيمِ، ولا تكنْ ***** إلا صديقاً لليتيمِ حميما

وارسمْ حروفَ العطف حَوْل جبينهِ ***** فالعَطْفُ يمكن أنْ يُرى مرسوما

وامسح بكفِّكَ رأسه، سترى ***** على كفَّيكَ زَهْراً بالشَّذَا مَفْغُوما

ولسوف تُبصر في فؤادكَ واحةً  ***** للحبِّ، تجعل نَبْضَه تنغيما

ولسوف تبصر ألفَ ألفِ خميلةٍ ***** تُهديك من زَهْر الحياةِ شَميما

ولسوف تُسعدكَ الرياضُ بنشرها ***** وتريكَ وجهاً للحنانِ وسيما

انظرْ إلى وجه اليتيم وهَبْ له ***** عَطْفاً يعيش به الحياةَ كريما

وافتحْ له كَنْزَ الحنانِ، فإنما ***** يرعى الحنانُ، فؤادَه المكلوما

لولا الحنانُ لَمَا رأيتَ سعادةً ***** لولا السماءُ لَمَا رأيتَ نجوما

لولا الرّياحُ لَمَا رأيتَ لَواقحاً ***** لولا البحارُ لَمَا رأيتَ غيوما

لولا الغصونُ لما رأيتَ ظِلالَها ***** لولا الرعودُ لَمَا سمعتَ هَزيما

لولا الربيعُ لما رأيتَ زُهورَه ***** تشدو، ولا لامَسْتَ فيه نَسيما

يا كافلَ الأيتامِ، كأسُكَ أصبحتْ ***** مَلأَى، وصار مزاجُها تسنيما

ما اليُتْمُ إلاَّ ساحةٌ مفتوحةٌ ***** منها نجهِّز للحياةِ عظيما

ونحوِّل الحرمانَ فيها نعمةً كُبْرى ***** تُزيل عن الفؤادِ هموما

فلَرُبَّ ماسحِ أَدْمُعٍ من مقلةٍ ***** تبكي، رأى فضلاً بهنَّ عَميما

قَسَمَ الإلهُ على العباد حظوظَهم ***** فالكلُّ يأخذ حَظَّه المقسوما

وسعادةُ الإنسانِ أن يرضى ***** بما قَسَمَ الإلهُ، ويُعلنَ التَّسليما

أَبْشِرْ فإنَّ الأَرْضَ تُصبح واحةً ***** للمحسنين، وتُعلن التكريما

أبشرْ بصحبةِ خيرِ مَنْ وَطىءَ الثرى ***** في جَنَّةٍ كمُلَتْ رضاً ونَعيما

حَسْبُ اليتيم سعادةً أنَّ الذي ***** نشرَ الهُدَى في الناسِ عاشَ يَتيما

اللهم وفقنا أن نغدق الأيتام عطفا وحنانا، وعلى الأرامل والمطلقات خدمة وإحسانا، وعلى الفقراء والمساكين عونا وأمانا، يا أرحم الراحمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

أبو أفلح عبد الرحمن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى