همسات تربويةواحة المعرفة

التربية، بين التعليم والتعليب

منذ أمد وأنا أرصد ظاهرة انتقال الخواص من إنسان إلى آخر، ومن قلب إلى قلب، ومن عقل إلى عقل؛ متسائلا متأملا: كيف تسبح الخاصية التربوية في نهر الزمن من ساح الأجداد لتصبغ طبائع الأحفاد،

وكيف تنساب الخصيصة من الشيخ والأستاذ إلى التلميذ والمريد لتغدو نسقا وطبعا، تساءلت: كيف تصبح المدرسة حقلا خصبا للتعليم، وكيف تغدو فجأة آلة فعالة للتعليب؟

حاولت أن أرصد آليات انتقال الخواص في الإنسان؛ متعقبا آمارات ذلك وتمثـــُّلاته في الكون؛ من سريان الأملاح المعدنية في مسامات النّبت ليشكّل نسغا، وناظرا في سلاسة التركيب الغذائي وانسيابه في أوردة البدن وشرايينه غذاء وبلسما؛ إلا أن الظاهرة الإنسانية غدت أكثر تعقيدا، وأكثر تركيبية، وأكثر استعصاءً…

ساءلت المدارس الفكرية، والأساتذة، والمربين، والآباء، والأمهات… فوجدت أن هذا السؤال بسيط/معقد، صغير/كبير؛ وجدته استعصى على البعض فاستسلم واعتبر الإنسان “مجهولا”، وآخر اضطُر أن يعتبر الذات الإنسانية مجموع تفاعلات كيمياوية متمازجة فلم يُفلح، وثالث ارتأى أن يتعامل مع الإنسان بمنطق حيواني: منطق الفعل وردّ الفعل (المنعكس الشرطي) فأفلس ولم يصب، ورابع وخامس وسادس…. وفي ثنايا هذه المقاربات والمحاولات ظل هذا السؤال حائرا متربصا يتيما… وإني اليوم أبث في هذه الأسطر ما جال في خاطري من أفكار وأسئلة علّها تستنفر إجابات عميقة، وتساؤلات أعمق…

أبناؤنا جواهر لكننا… حدادون
إن مهمة الأبوة مطابقة لدلالة النبوة؛ بذلك هي أخطر مهنة، وأعقد مسؤولية، فأول نبي تمثلت نبوته في أبوته؛ فغدت صلات “الأسرة النواة” الحاملة للجرعة المركَّزة لخصائص بني الإنسان؛ خيرها وشرها، جميلها وقبيحها ومستقبحها؛ مناط مسؤولية آدم “الأب/النبي” ولب رسالته، وسر ابتلاء “حواء الأم”، والفتنة الأبدية لأخوة بني الإنسان: “قابيل وهابيل”: “وكذلك جعلنا بعضكم لبعض فتنة؛ أتصبرون؟ وكان ربك بصيرا”.

لا شك أنه حين تموت الفكرة يبزغ الصنم، وحين يُشنق المبدأ الأخلاقي، ويُصلب المعيار التربوي يتألّه الإنسان ويتفرعن، فقد غدت اليوم أول مهمة نبوية في تاريخ البشرية، وأهم ناقل من نواقل الخواص التربوية فاقدا للمعيار؛ فأصبحت الأبوة والأمومة مهمّة ينبري لها الزوج والزوجة، بيولوجيا، لمجرد الإنجاب؛ فكلما كبر الولد وازدان، وانسابت الكلمات رقراقة في الحَلق واللسان؛ كبرت معه أسئلتنا، واحترنا أيَّ الخيارات التربوية أسلم وأيَّها أغنم؛ فاختار البعض أن يربي أبناءه بما تربّى عليه؛ ولا يعلم أهُو في ذلك مخطئ أم مصيب؟ ورأى البعض الآخر أن يوقف نزيف العقد التي انتقلت إليه من مساره التربوي فربى ابنه على نقيض ما تربى عليه؛ وهو بدوره لا يفقه أهو في ذلك مفلح أم مفلس؟

يقين أنه إذا غاب المعيار التربوي؛ استأسد المزاج، وأضحت التربية ذيلا للمزاج؛ فحين يغدو المربي (الأب، الأم، المعلم، المعلمة…) ذا روح صفْوة؛ عمّ الأنس أرجاء البيت وحجرة الدرس، أما إن تعكر الصفو لسبب أو لآخر استُنفذت كل الاحتياطات، وأُجّلت المناقشات والحوارات، وساد الصمت أرجاء المكان، واختلطت على المتربِّي وسائل العقاب، وعطايا الثواب….؛ بهذا تصطبغ شخصية الأبناء، وتتلوّن وَفْقَهُ طبائع الأحفاد؛ فكيف تنجو، إذن، التربية ونقل الخواص من شِباك المزاج؟ ومتى؟…

تذكر دوما أخي وأختي: أنك بأبوتكَ وأمومتكِ قد انبريت لأول مهمة نبوية عرفتها البشرية: فهل طالعت، وتعلمت، وتثقفت، وتكوّنت؛ لتؤدي مهام الأبوة-النبوة؛ أم أنك صرت أبا أو أما بيولوجيا عبر الإنجاب!

من هو المحور في العملية التربوية؟
سألت في لقاء تكويني عددا من الأستاذات الفضليات؛ من هو المحور في العملية التربوية؟ أهُو المعلم؟ أم المتلقي والتلميذ؟ أم طرف ثالث مرفوع أو موضوع؟ فتنوعت الأجوبة وتعددت بين كون الأستاذ محور العملية التربوية؛ باعتباره صانع المعلومة والمعرفة في حجرة الدرس، وكون مسؤوليته تكمن في تبليغ العلم، وهذا الجواب يمثل الخط الكلاسيكي في التعليم؛ حيث يجعل من الأستاذ المحور والبؤرة، وكان الجواب الثاني مناقضا لسابقه؛ على أن التلميذ والمتلقي هو محور العملية التربوية؛ فهو يمتلك عقلا توليديا، ومكانة الأستاذ أساسية لكنها ليست مهمة وصاية، بل مسؤولية تيسير وتبسيط وتوجيه؛ وهذا الرأي مما تُعرف به المدارس الإبداعية مثل “الذاتية في التعلم”، و”الحرية في التعلم”…

في سياق الحديث عن نقل الخواص؛ أجد أن محورية الأستاذ أو محورية المتلقي غير مجدية وغير مثمرة؛ وأن مركز الثقل (Centre de Gravité) في علاقة المربي بالمتلقي هي “الكتاب”؛ باعتباره مصدر المعرفة النابض، وهو الذي يهَب صفة الذاتية للمتلقي، وإمكانية تجاوز الزمن والأستاذ، ويسِم المتلقي بقدرة نافذة في التحليل والتمييز، فكلما كانت صلة المتلقي أكثر وثوقا وعفوية بالكتاب؛ أضحى أكثر قدرة على تجاوز الأمزجة، والأذواق الشخصية، فإن استطاعت المنظومة التربوية أن تعيد الكتاب إلى محور العملية التربوية التعليمية فإنها ستقدم بذلك خدمة جليلة للفكر التربوي، وستنجو بالمدرسة من براثن التعليب؛ أما إن غدا الأستاذ حائلا بين المتلقي ومصادر المعرفة؛ وأضحى التلميذ والمتلقي لعبة بيد قنوات الإنشاد تارة، والفايسبوك برهة، والألعاب الإلكترونية دهرا، وعلى أعتاب الأفلام الوثائقية متسولا؛ وأضحى بعيدا عن الحفر ومجافيا للكتاب ومعاديا للقمطر؛ فإنه لا أمل يُرتجى من بابه، ولا فلاح ينتظر من جنابه…

إن أفلحت المنظومة التربوية في أن تُرجع للمتلقي والمتربي تركيزه، فأوقد قنديله، وفتح كتاب الكون المسطور والمنظور أمامه، واتبع مسترشدا مربّيه وموجّهه؛ فإن هذا العقل والقلب يكون قد نجا من الاستحمار، والقابلية للاستعمار، وأضحى ذا قابلية عالية للرّشد والإعمار…

أ. طه كوزي

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى