همسات يمامة

بين وطني والغربة

خلق الإنسان تواقا للجديد، مستمتعا بالجميل المبهر، ساعيا لكل تغيير يمكن أن يضفي على حياته تيسيرا وتسهيلا.

في أي بلد من هذا العالم نجد أناسا يتوقون للهجرة والتغرب عن أوطانهم، إلى بلاد يعتقدون أنها أفضل لهم؛ مهما اختلفت الأوضاع بين البلدان، وتعددت الأسباب لذلك، يبقى الحلم قائما ويراود الكثيرين.
الهجرة جميلة وبها فوائد جمة كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
تَغَرَّبْ عَنِ الْأَوْطَانِ فِي طَلَبِ الْعُلَا
وَسَـافِرْ فَفِي الْأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ

تَــفَـرُّجُ هَـمٍّ وَاكْـتِـسَـابُ مَـعِـيـشَـةٍ
وَعِــلْــمٌ وَآدَابٌ وَصُــحْـبَـةُ مَـاجِـدِ

وَإِنْ قِـيـلَ فِي الْأَسْفَارِ ذُلٌّ وَمِحْنَةٌ
وَقَـطْعُ الْفَيَافِي وَاكْتِسَابُ الشَّدَائِدِ

فَـمَـوْتُ الْـفَـتَـى خَيْرٌ لَهُ مِنْ حَيَاتِهِ
بِــدَارِ هَــوَانٍ بَـيْـنَ وَاشٍ وَحَـاسِـدِ

وفعلا كلما ابتعد الإنسان عن وطنه وتغرب، ازداد علما ووعيا بتعدد تجاربه، واكتسب مهارات ماكان ليبلغها لولا ذلك، فيبني العلاقات، ومنها يتعرف على نفسه بعيدا عن أهله، ويصنع لها مكانة دون اعتبارات الهوية والإنتماء والحماية.
و يكون عليه أيضا تحمل مسؤولية تمثيل نفسه وأهله ووطنه.

فمن الناس من ساعفه الحظ وابتسم له وتحقق حلمه بالهجرة لينطلق في تجربة حياة جديدة.

وآخر هرب من واقع أنهكه ولم يجد له في بلده حلا؛ فهاجر لعله يجد ضالته هناك! فإذا به لايبلغ مبتغاه فيخلق لنفسه هالة يخفي خلف ثناياها خيباته!

و هناك بينهما يعيش طرف آخر استطاع التأقلم وصنع لحياته طابعا بلغ بها ماطمح إليه وكافح من أجله؛ و أكيد أنها لا تخلو مما ينغصها.

ويظل السؤال مطروحا في محيطهم الذي خلفوه..
ترى كيف حاله وما مآله هناك؟
أتراه بلغ ماكان يرجوه؟
هل سيحالفني الحظ أنا أيضا فألتحق به؟
ماهي الإحتمالات الواردة وكيف سيكون؟ ووو…

فتتباين الإجابات بين واقعي صادق مع نفسه، يمكن أن يتراجع ويقرر العودة لوطنه إذا لم يبلغ المرجو من هجرته.
وبين من يستحيل أن يتخلى عن لقب مغترب رغم مايقاسيه ويعانيه!

وجميعهم مهما اختلفت أوضاعهم فإن الحنين للوطن بعد كل تلك الملاحم لايختلف فيه إثنان.
ففي الغربة تفتقد للدفء العائلي والوالدين.
ولشلة الأصدقاء وذكريات الطفولة.
وللأجواء الوطنية باختلاف مناسباتها.
والمؤلم فيها مايطرأ من أتراح فلا تقاسمهم إياها.
وأفراح تنعش الروح فلا تجد لك منها نصيب.
فيضل الخيط الواصل الوحيد هو شاشات الهواتف بتنوع طرقها.

ومهما كان خيارك، فحاول أن تظل حاضرا وتنعش الخيط الوحيد وتسقيه دوما.
وأن لا تغترب حتى تصير غريبا في وطنك!!

أم مريم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى