تأملات وأفكارترندواحة المعرفة

شهادتي في الأديب الفقيد د. محمد ناصر بربوشة

منذ أن سمعت خبر رحيل أستاذنا وقدوتنا الملهم د محمد ناصر بربوشة-يوم الأربعاء 20 أوت 2025- اخترت أن أعيش داخليا هذه اللحظة الوجدانية وأتملى الذكريات ولا أشتت ذهني كثيرا عن فيض الفؤاد وعفوية الإحساس.

* أما وقد انقشعت غيمة الحداد واستوعبت الحقيقة كما قررها ربنا سبحانه وتعالى: (كل نفس ذائقة الموت).. فإني أدلي بحروفي وفاءً لشيء من حق هذا الرجل الكريم عليّ.

* لقد كانت جلساتي مع شيخنا الفقيد عبر كتبه وأعماله ودواوينه أكثر من الجلسات المباشرة مع شخصه الكريم… فلسنوات متواصلة كنت أنهل من بحر أدبه وشعره ونقده وفكره يوميا بالصباح والعشي.. في قراءات تحليلية تذوقية تفاعلية مضنية غير عابرة ولا سطحية مريحة… ففي مذكرة اللسانس كنت دارسا له شاعرا إسلاميا ملتزما، وفي رسالة الماجيستر دارسا له ناقدا إسلاميا في جماليات الشعر الإسلامي.. ورب لحظة أنزلق فيها من مكتب الباحث الموضوعي الناقد إلى بساط المتعلم الأميّ والمستكشف المذهول والفتى المسترشد… تلك هي قوة الأدب الآسر والنقد الرصين والمنهج المستبصر.

* وحين تقرأ للفقيد شاعرا أو ناقدا قراءة مسؤولة ممنهجة فهذا يعني أنك تقرأ في أعماق شخص الإنسان وأدق أفكاره، فالشعر الصادق أصفى مرآة لخافقه، والنقد الأدبي أدق ميزان لرؤيته ورؤياه، لذا فقد عرفت الشخصية الحقيقية للدكتور محمد ناصر نفسيا وفكريا، والحمد لله فقد أكرمني حين قال لي: “اليوم وجدت من يفهم شخصيتي الأدبية بين الباحثين بعد شطط”.

* أما عن جلساتي المباشرة مع الشيخ والتي لا تبلغ عدد الأصابع الواحدة فقد كانت من ساعات العمر، فبعد إنهاء الحوار الأكاديمي يتشعب الحديث فأجد في الرجل جاذبية ربانية غير عادية؛

– سِمت ووقار وهيبة وأُلفة تنبت الشوق الدائم للقياه.

– فكر وتوجيه وبصيرة وميزان تكاد ترى خيوطه تمتد من إلهام مولاه.

– قوة ومواقف وحزم ورسوخ في المبادئ الإسلامية تكاد تكلفه أنفاسه وهو يواجه تيار الشيوعية الذي كان ينخر الأمة الجزائرية …

– طرب وفرح وخفة وعنفوان -رغم المرض- مع التأليف والتفكير والنقاش والحوار فلا تكاد تزوره إلا ويهديك من جديد مكتبته ما تشفق على تفريغ رفوفها.

* أخيرا – فإن كان عندنا من فضل في كتابة وديباجة وتحبير في تعبير فالفضل بعد الله تعالى إلى هذا الأديب المبين الذي كان لبنة ركينة في منظومتي الفكرية الأدبية وقد تعلمت منه أن التعبير هو فن التعامل مع الحرف قبل الكلمة والجملة.. وأن الأدب أدب وليس فنا من أجل الفن فقط.

** رحمك الله تعالى شيخنا القدير، وتقبلك في الصالحين، وجزاك عن المسلمين خيرا، ويسر لهذه الأمة من يحمل أمانة اللسان والقيم والوطنية … وعزاؤنا لأهله الأقربين وطلبته الميامين، جمعنا الله في رحمته الوسيعة.

علي بن باحمد موسى واعلي

غرداية 24-08-2025م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى