أنفاس قلم (1): السَّفر في الصّلاة

يرنو قلبه الولهان إليها ملهوفاً ومسّارعًا، وتضطرب دقّات فؤاده الهائمة ويتداخل نبضهُ ليوازي صبوة ولهفة روحه لموعدهِ الأزلي، تتساقط من حواليه زخّات الطّهر الكريستالية البهيّة بعد أن غسلت بنقاوتها غمام الدّنيا عن شخصه، وألبسته رداءً من خارج هذا العالم استعدادًا لرحلة معراجه إلى أسوار كون آخر…
وقفَ باعتدال على سجّادته، وبكلمات آسرة لفظها فاهُ، توقّف الزّمن وسكُن الصّخب وسقطت عن هذا الإنسان في لحظات قلائل، شوائب حيوانيته ودونيته فكشفت عن عذرية روحهِ، حدث هذا حين استهلّ في خشوع سمفونية حياةٍ أخرى، حين أدار بثبات مسننات قفلٍ صدإ عتيق، بمفتاحِ نُقشت ببهاء أخّاذ غلى ظهره جملةُ: ” الله أكبر”…
نرتحل كلّ يوم في أحداث حياتنا المتقلّبة والمتغيّرة، ونستأنف عند كلّ ديباجة جديدة من فصولها نفَسًا وزادًا لنواصل به المسير، ونبحثُ في كلّ طيّة من طيّات حكايتها عن المعنى وغاية الوجود… في خضمّ ما سبق تكون الأرواح عُرضة لعوامل الحتّ القاسية، التي لا تتوانى في خدشها وتقشير طبقات الإنسانية عنها، فتلبثُ عاريةً واهنة، ومكشوفةً لخناجر تُحوّلها إلى جمادات متحرّكة تخلو معالمها من أدنى أثر لملاحة وبهاء الحياة…
فكانت الصّلاة…
أفعالها طوع وذلول للبارئ جلّ جلاله، تسافر بالمرء إلى مصّاف مراتبَ روحانية عالية، تُنسيه انتماءه إلى هذه المعمورة، وأقوالها لغة سماويةٌ فريدة تصِل قلبهُ بخالقِه، في مناجاة تتواضعُ لسحرها الملائكة وجميعُ المخلوقات، لطالما كانت الصّلاة بوّابة إلى عوالم تفوق تصوّراتنا التّقليدية البسيطة، ولطالما كان الذّوبان فيها منصّة انطلاق إلى التلذّذ بمشاعر وأحاسيس غير مألوفة البتّة، ينطلقُ شررها حين تُلامس جباهناَ في تبتّل وخضوع أديم الأرض، وتستلمُ جوارحنا لسكينة المكان والانقطاع الآني للزمان، وترتوي أرواحنا من معين الطّمأنينة والأُنس الفائض من نهر فُرات، اختلط في مياههِ بتجانس مزيجُ من الخوف والرّجاء…
ناصحًا غدوتُ بكلمي، وإلى نفسي بدايةً ثمّ إليك أخي وجّهت ندائي، أن اتّخذ من الصّلاة المنفذ والمحيص، تمسّك بها في أنوار البكرة وظلمات الدّجى، واتّخذ من الخشوع فيها وحسن الإتيان بها، معطفًا من إستبرق، لا يرسمُ حول جنباتك هالة من نور ملائكي فحسب، بل يقيك بصلابته الرّكون إلى زوايا الدّنيا الخادعة، ويجعلك تطفو باتّزان على سطحها، فتكون من الخيرة الذين توسّموا قلائد الفلاح من لدن الحقّ جلّ وعلا، “قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ”، اشتقْ إليها وتأنّ في أدائها، ودع الخلائق من حولك تستنير بمهجة غدوّك إليها فلا أسمى مشهدًا ولا أَسْنَى لوحة من تلك التي ترسُمها ريشة توقُ العبد لمناجاة ربّه.
عمر بن إبراهيم بوغالي



