أنفاس قلم

أنفاس قلم (2): سحرُ الدّعاء

ارتقى إلى السّماء لخفّته، وزاحم في صعوده الطّير المحلّق في أرجاء الكون الفسيح، وانبثقت من جنباته رياح الصّدق العليلة، كان كمرسولٍ خاصّ فريد، طار فرِحًا مغادرًا أبعاد الكون الاعتيادية، قاصدًا أبواب الإجابة السخيّة، مرسولٌ نضّاخٌ بعَبرات الوجل والتّضرع السّابغة، وفوّاحٌ بأريج النجوى المخلِصة، ما فتئ أن ارتدّ إلى داعيه سكينةً وسلامًا، مبشّرًا إيّاه ببلوغ ندائه ربّ البشريّة، ومُعلنًا عن استكمال مشوارِ مرتحلٍ إلى السماوات العليّة، مشوارِ دعاءٍ صادقٍ…

عندما التفَّتْ بسيّدنا يونس أذرع الظّلمة والسّكون الخانقة، وعندما أعيى سيّدَنا نوح لقَدرٍ غير هيّن من الزمان تزمّتُ المُعرضين عن الهدى، وحين أحاطت بسيّدنا أيّوب أعراض المرض الفتّاكة، وحين ضاقت على خاتم الأنبياء الأرض بما رحُبت… شعّت من أرواحهم فيوض التذلل والاستخارة، وصعدت أكفّتهم لصاحب القوّة والجلالة، وازدانت كلماتهم بلحن التضرّع الصّادق والسّؤال المخلص، وتحصّنت نفوسهم باليقين بالفرج القادم لا محالة، لقد هداهم العليّ القدير إلى اتّخاذ الدّعاء قوّة لا رادع لها ولا مُوقِف، وضَمِن لهم برحمته حُسن الاستجابة، وصاغها لهم ولنا في قاعدة إلهية أزلية: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ”.

لقد توسّعت رقعة الجُرح في إسلامنا، وغطّت حمرة الدّم القانية أبصارنا، فجفّت ينابيع ذلولنا وابتهالنا لخالقنا، وشحُبت ملامحُ سؤالنا وتضرّعنا، لقد تمسّكنا في الأزمات العاتية بشعارات خاويةٍ فارغة، وأقاويل دنيوية فانية، وتركنا في زاوية معزولةٍ حبل الدّعاء مُهترئا بعضّات العناكب وحلكة الظّلمات، فمتى المفاق؟

فلنُصادق من جديد عشقنا لمعبودنا، ولننفض الغَبرة عن التردّدات التي تصلنا به، ولنُنقّ سرائرنا من أسقامها، ليخلو لنا رفعُ أكفّتنا وكلماتناَ إلى بلاط الحقّ تعالى، ولنكسِر بدعائنا الخالص سلاسل الظّلم والجور التي أحاطتنا، ولنُسقِط حلقاتها بالتمسّك بالنية الخالصة والسّؤال الملحّ لذي القوّة اللامتناهية…

الَّلهُم أَصلِح لَنا دينَنَا الذِي هُو عِصمَةُ أَمرِنَا وَأَصلِح لَنَا دُنيَانَا التِي فِيهَا مَعاشُنَا وَأصلِح لَنَا آخِرَتنَا التِي إِليهَا مَعَادنَا واجعَلِ الحَيَاة زِيادةً لَنا فِي كُلِّ خَيرٍ وَاجعَلِ المَوتَ رَاحةً لَنَا ِمن كُلِّ شَرٍّ. آمين

عمر بن إبراهيم بوغالي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى