من وحي القلمواحة المعرفة

نظرتنا إلى العلم

 قَد تختَلف نظرَة أفراد المجتمع الواحدإلى العلم وللتَّعلم، من حيث الغاية منه والأهداف من وَرائه خاصة في المستويات العليا، إما رِساليَّة خالصَة أو اقتِصاديَّة صرفَة. ما هو معروف ومؤكَّد بحيث لا يختَلف عليه اثنَان داخل أيَّ مجتمع، هو وجوب التَّعلم منذ الصغر وطلب العلم والاستزادة منه، ويؤكّد عليه حتى بنصوص وقوانين شرعيّة. فالتعلم في معظم الدول عبر أنحاء العالم حق للابن وواجب على الأب إلى سنٍّ معين، وذلك لما له من ضرورة في بناء عقل الإنسان وفكرِه، والإسهام في سمو روحه ونفسه، والاستعانة به في كسب قوت يومه إذا سلَّمنا أن العلم لا يقتصر على الجانب الأكاديمي فقط، ولكن الحياة كلها تعلُّم وأسئلة مركبة ودائمة، لا تحل إلا بالعلم.

فنظرة الإنسَان للعِلم تتغيَّر من طَور لآخَر ومن مرحَلة إلى أخرى؛ فهي ليسَت نظرة حسابية جَامدَة منذ أن تَطأ رِجلُ تلميذٍ لأول يوم بَاب المَدرسة إلى غاية مستَويات عليا. فمنذ الصِّغر ومنذ السنوات الأولى التي يخطوها الطفل نحو المدرسة، يكتسِب حبًّا فطريّاَ للمدرسة، فتراه يقبل آمِلا طموحاً مفعما بالنشاط، يفرح إذا ما رفع يده للإجابة والمشاركة في القسم، أو تقدَّم إلى السبورة لحل تمرين أو رسم شكل هندسي أو قراءة نصٍ، خاصة إذا ما شكره الأستاذ بعد ذلك وأثنى عليه.

وعندما يكبُر هذا الطالب، تصبح نظرته للعلم نظرة تَحدٍّ، خاصة إذا صادفه اختبار مصيري في الطريق لينتقل منه إلى مرحلة عليا، فهو يبذل قُصارى جهده لكي ينجح ويتخطى تلك العقبة ويفرح فرحا شديدا حينما يستلم بين يديه تلك الشهادة التي تعلن نجاحه حتى وإن كانت “مؤقتة”.

ثم يصل إلى المرحلة الجامعية، حيث تكون نظرة الطالب للعلم ذا أثر ومعنى عميقين، ليس فقط بالنسبة له كفرد، ولكن أيضا في المجتمع، ذلك لأنه سيصبح بعد ذلك ديناميكيا حركيا في المجتمع.

هذه النظرة للعلم ستكون الحد الفاصل والحاسم في توجّه ذلك الطالب، فهل حينها سينظر إلى العلم بنظرة اختزالية أكاديمية محضة حيث يضع الشهادة وحدها نصب عينيه، وتكون هي الحاكِمة والمُشرِّعة لكل الأسباب والوسائل التي يستخدمها، فيوجِّه اجتهاده وتفكيره نحو ذلك السبيل المختصر نحو الامتحان. حينئذ حاله كحال ذلك الموظف الذي لا يكترث لشيءٍ إلا للأجرة التي يتقاضاها نهاية كل شهر؟ أم أنَّه سينظر إلى العلم على أنه رسالة تحمل همًّا اجتماعيا وقلقًا يقضُّ المَضجع، فيتوجب عليه التوسع في معارفه، والمضي قدما إلى أبعدَ ممَّا يدرَّس ويلقَّن في المؤسَّسة التعليمية، وإعمال عقله وفكره فيما يخص النظرة الإبستيمولوجية لتخصصه والباراديم السائد فيه أهو ملائم شامل واقعي أم أنه مجيب على بعض التساؤلات وعاجز أمام أخرى فيحتاج إلى بديل؟

هذه النظرة سنحاول التركيز عليها بحول الله في الجزء الثاني من المقال.

الجزء الثاني:

اتَّسعت بتقدم الزَّمن المجالات العلمية، وتعقَّدت بشكلٍ مذهِلٍ التَّخصُّصات العلميَّة، حتَّى أصبَح بالإمكان القول معرفيًّا، دون إنكَار لما قدّمته العلوم من فوائد وخدمات للبشريَّة، أنَّ التَّخصصات في العلوم قد أباعَدت بين العلماء، فأصبح فيزيائيُّ في تخصُّص معيَّن لا يفهم ما يحلِّله فيزيائيٌّ آخر من تخصّص مختلف، ممّا يطرح تساؤلاً محوريًّا عن الرؤية الكليّة والرؤية الشمولية للعلوم والتي يتوجَّب علينا كطلبةَ علم، خاصّة في المستويات العليَا الإلمَام بها، وإن لم تكن مسطَّرةً ومُدمجَة ضمن برنامجنا العلمي الجامعي.

بالإضافة إلى الرؤية الشمولية يتوجب علينا أيضا توسيع معارفنا من خلال الاهتمام “بتاريخ العلوم”، لما لها من أهميَّة ومعرفيَّة، فمن خلال الفهم الجيد لتطور العلوم والمعرفة في الماضي، يمكن استنباطُ عدَّة مفاهيم وفهمِ عدَّة وقائِع في مختلف تخصّصاتنا في وقتنا الراهن، فلا يمكن الفهم الجيد للحاضر والمستقبل دون العودة إلى الماضي.

كما أنه من بين الأمور التي نستفيدها من تاريخ العلوم، التعرف على النظرة الإبستيمولوجية والنظريات والبرادايمات السائِدة في العلم الذي نحن بصدد دراسته، ومدى استجابتها لأسئلة العلم الراهنة، وكذا مدى تَطَابُقِهَا مع الرؤية الكونيَّة لنا نحن كمسلمين، فلو نتطرق إلى علوم الحياة مثلا، سنجد أن من بين أقوى النظريات السائدة منذ وقت بعيد إلى اليوم، نظرية التطور الداروينية حيث يتوجَّب علينا كطلبة علم، أن نقف وقفة علميَّة على هذه النقطة، و أن لا نمرَّ عليها حفظا وفهما واستيعابا فقط للإجابة بشكل صحيح يوم الاختبار، بل من الضروري علينا أن نرهق أنفسنا بالأسئلة التي تحفزنا على التفكير، والحفر والتنقيب بخصوص هذه النظرية وغيرها من النظريات، وكذا مدى خروجها من الطابع العلمي الأكاديمي واتساع رقعتها كمنهج تعامل داخل حياتنا كأشخاص، فمن المهم إذن أن ننظر من حين لآخر إلى العلوم التي نحن بصدد دراستها، بنظرة نقدية تحليلية تفسيرية.

في النهاية يمكن القول إن هذا المقال عبارة عن همسة في أذننا كطلبة علم، مالكين لنظرة كونية توحيدية منادية إلى مراجعة نظرتنا الأكاديمية للعلوم، مطالبة بتفريج القيود الأكاديمية عنها، والتي اختُزِلَت خطًأً في الشهادة والامتحانات مع كل ما يملكانه من أهمية، وأن نشيد بأهمية تحريك الفكر وإعمال العقل في ميدان تخصصنا والنظر إليه بنظرة شمولية نقدية كونية.

عبد الهادي الشيخ صالح

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى