الشباب العربي يؤسس لعهد جديد.. “من الجزيرة إلى ميدان التحرير”

المتتبع لتسارع الأحداث في العالمين العربي والإسلامي، من غزة إلى لبنان، ومن تونس إلى مصر… واليوم من الجزيرة إلى ميدان التحرير؛ يخرج بمفارقة محيرة حقا، وهي: أنَّ مكمَن القوة في بلداننا هم “الشباب” وغيرُ الرسميين؛ وأنَّ مكمن الضعف هي الأنظمة والأحزاب والحركات الرسمية؛ أما في الغرب -وأمريكا بالتحديد- فإنَّ مكمن القوة هي الأنظمة والجهات الرسمية، أما مكمن الضعف فهم الشباب، والجهات غير الرسمية.
ونحن نشهد مواجهة بين مكمني القوة في الشرق والغرب (الشباب العربي، والأنظمة الغربية)، وضمورا في مكمني الضعف (الأنظمة العربية، والشباب الغربي).. كيف ذلك؟
* بداية من الشبكات الاجتماعية، وبالذات الفايسبوك والتويترز وغيرها؛ فإن المرشحة لنيابة مدير الاستخبارات الأمريكة “ستيفاني أوسوليفان” تعترف في جلسة استماع بمجلس الشيوخ عن “بطئٍ في الإلمام بحجم الانتفاضة التي هزت مصر” وعن “تطور الأحداث -التي يقودها الشباب العربي طبعا- بوتيرة سريعة، وأن الدوائر الاستخبارية تعمل بأقصى سرعة على الأرض.”، ومع ذلك تعرضت حكومة “أوباما” لانتقادات لاذعة بسبب التأخر والارتباك في استشراف الأحداث، وفي التعامل معها.
* وفي فترة سابقة، كانت الجزيرة بطاقمها العربي الشاب، محلَّ ترقب عالمي، وهي تعرض وثائق سرية، قصد “كشف المستور” في المفاوضات الفلسطينية الإسرائلية؛ ولقد أثبت هؤلاء الشباب أنهم أقدر على فهم الخفايا والأبعاد، من خلال إدارتهم الصحفية لهذه العملية، بينما كان المفاوض الفلسطيني أضعف جانيا، وأشد قلقا، وأسرع إلى الغضب والاتهام وإحداث الفوضى.
* وجاءت أحداث تونس أولا، وأحداث مصر تعقبها، لتقف الجزيرة سدا منيعا وحصنا حصينا أمام صور التضليل والخداع، التي روجت لها أبواق السلطة في مصر، ولولا شباب الجزيرة -حسب تصريح عزمي بشارة- لسمحت بعضُ الجهات الرسمية لنفسها بإبادة أعداد هائلة من الناس، ولوقفت الكثير من وسائل الإعلام الغربية صامتة متواطئة، كما عهدناها من قبلُ، يوم كان الإعلام بيد النظم العربية المستبدة، والتوجيهُ على يد النظم الغربية الميكافيلية المصلحية!
* وها هي ذي جموع المتظاهرين في ميدان التحرير في مصر الكرامة، يقودها شباب “قلبوا كلَّ الموازين والحسابات”، وأزاحوا جميع الجهات النظامية والرسمية، وحتى المعارِضة منها، من واجهة الأحداث؛ فلقَّنوا العالم درسا مفادُه أن شباب العرب قادرون وعازمون، لولا خيانة النظم، ولولا قهر العالَم… فكانت شعاراتهم خير معبر عن ذلك:
– “ثورتنا ثورة شعبية، ثورتنا ثورة شباب”
– و”احنا شباب حنحرر مصر”.
– و”التغيير جاي وبأيدينا بلادنا راح ترجع لينا”.
* أمَّا في أمريكا، والغرب عموما، فإنَّ حضور الشباب حضورٌ شكلي، يوجِّهه الإعلام المضلَّل والمضلِّل، ولا أدلَّ على ذلك من حجب قناة الجزيرة في خمسين ولاية من ولايات أمريكا؛ وبالتالي فإنَّ المدد يأتي لهؤلاء الشباب الغربي من نظمهم، ومن هيئاتهم الرسمية، أمَّا بٌعدهم الفكري والحضاري فمهزوز ومهزوم.
وهنا، نشهد ميلاد عهد ذهبي جديد، يكون فيه الطرف الرابح هم “الشباب العربي” الحر الأصيل، والطرف الخاسر هي “الأنظمة العربية” الهجينة الملفقة؛ أمَّا الغرب، بما هو عليه، وبسقوطه في حمأة التغزل لإسرائيل ولظلَمة العالَم، فهو الخاسر الأكبر، بأنظمته، وبشبابه، وبرؤاه الكونية…
فيا شباب العرب هكذا كونوا أو لا تكونوا، واصغوا إلى الإبراهيمي وهو يخاطبهم، في مقاله الرائع “الشاب الجزائري كما تمثله لي الخواطر“:
“أتمثله متساميًا إلى معالي الحياة، عربيدَ الشباب في طلبها، طاغيًا عن القيود العائقة دونها، جامحًا عن الأعنَّة الكابحة في ميدانها، متَّقد العزمات، تكاد تحتدم جوانبه من ذكاء القلب، وشهامة الفؤاد، ونشاط الجوارح. أتمثله مقداما على العظائم في غير تهوّر، محجامًا عن الصغائر في غير جبن، مقدرًا موقع الرجل قبل الخطو. أتمثله واسع الوجود، لا تقف أمامه الحدود، يرى كل عربي أخًا له، أخوة الدم، وكلَّ مسلم أخًا له، أخوة الدين، وكل بشر أخًا له، أخوة الإنسانية، ثم يُعطي لكل أخوة حقها فضلا أو عدلا.
أتمثله حلِفَ عمل، لا حليف بطالة، وحلس معمل، لا حلس مقهى، وبطل أعمال، لا ماضغَ أقوال، ومرتاد حقيقة، لا رائد خيال”.
د. محمد باباعمي
الجمعة 4 فبراير 2011
المصدر: فييكوس نت



