فقه التعايش عند اﻹباضية

لقد سعى الكثير من العلماء المصلحين لرأب الصدع وتوحيد صف وجمع شتات أمتنا الإسلامية، ولعل أبرز تلك المحاولات والمساعي رسالة شيخنا الجليل سليمان باشا الباروني التي أرسلها إلى اﻹمام السالمي، والتي يسأله فيها عن سبب الفرقة بين المسلمين والسبيل لوحدتهم، فكان جواب اﻹمام السالمي رحمه الله: نعم نوافق أن منشأ التشتت هو اختلاف المذاهب وتشعب اﻵراء وهو السبب الأعظم في افتراق الأمة كما اقتضاه نظرك الواسع في بيان الجامعة اﻹسلامية وللتفرق أسباب أخرى؛ منها: التحاسد، والتباغض، والتكالب على الحظوظ العاجلة؛ ومنها: الرئاسة، والاستبداد بالأمر، وهو السبب الذي نشأ عنه افتراق الصحابة في أول الأمر في أيام علي ومعاوية، حيث كان منشأ الاختلاف في المذاهب، وجمع الأمة بعد تشعب الخلاف ممكن عقلا، لكنه مستحيل عادة، وإذا أراد الله أمرا كان “لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم” (الأنفال: 63).
والساعي في الجمع مُصلح لا محالة، وأقرب الطرق له أن يدعو الناس إلى ترك الألقاب المذهبية، ويحثهم على التسمي بالإسلام، وليس لنا مذهب إلا اﻹسلام؛ فمن ثم تجدنا نقبل الحق ممن جاء به وإن كان بغيضًا، ونرد الباطل على من جاء به وإن كان حبيبا.
نعم.. إن هذه الألقاب المذهبية إنما هي طارئة على الأمة، والأصل هو ما ذكره الله تعالى في قوله “وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم نعم المولى ونعم النصير” (الحج: 78).
لم تكن هذه المبادرة هي المبادرة الأخيرة لعلماء اﻹباضية، فقد جاءت بعدها نظرية “المعرفة والتعارف والاعتراف”، والتي نادى بها المفكر اﻹسلامي الشيخ علي يحيى معمر، فقد شخص المرض ووصف الدواء الناجع عندما قال: “وأنا على يقين في نفسي بأن المذهبية في الأمة الإسلامية لا تتحطم بالقوة ولا تتحطم بالحجة ولا تتحطم بالقانون، فإن هذه الوسائل لا تزيدها إلا شدة في التعصب وقوة في ردة الفعل، وإنما تتحطم المذهبية بالمعرفة والتعارف والاعتراف”.
فبالمعرفة يفهم كل واحد ما يتمسك به اﻵخرون، وبالتعارف يشتركون في السلوك والأداء الجماعي للعبادات، وبالاعتراف يتقبل كل واحد منهم مسلك اﻵخر برضا، ﻭﻳﻌﻄﻴﻪ ﻣﺜﻞ ﺍﻟﺤﻖ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﻄﻴﻪ ﻟﻨﻔﺴﻪ “اﺟﺘﻬﺪ ﻓﺄﺻﺎﺏ ﺃﻭ ﺍﺟﺘﻬﺪ ﻓﺄﺧﻄﺄ”، ﻭﻓﻲ ﻇﻞ ﺍﻷﺧﻮﺓ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﺡ ﺗﻐﻴﺐ ﺍﻟﺘﺤﺪﻳﺎﺕ، ﻭﺗﺠﺪ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﺗﺤﺎﻭﻝ ﺃﻥ ﺗﺼﺤﺢ ﻋﻘﻴﺪﺗﻬﺎ ﻭﻋﻤﻠﻬﺎ ﺑﺎﻷﺻﻞ ﺍﻟﺜﺎﺑﺖ ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻭﺍﻟﺴﻨﺔ، ﻏﻴﺮ ﺧﺎﺋﻔﺔ ﺃﻥ ﻳُﻘﺎﻝ ﻋﻨﻬﺎ ﺗﺮﻛﺖ ﻣﺬﻫﺒﺎ ﺃﻭ ﺍﻋﺘﻨﻘﺖ ﻣﺬﻫﺒﺎً.
ﻭﻟﻦ ﻧﺼﻞ إلى هذه الدرجة حتى يعترف اليوم أتباع جابر وأبي حنيفة ومالك والشافعي وزيد وجعفر وأحمد وغيرهم ممن يقلدهم الناس أن أئمتهم أيضا يقفون في صعيد واحد، لا مزية لأحدهم على اﻵخرين إلا بمقدار ما قدم من عمل خالص لله.
هذه النظريات وهذه المبادرات والمساعي لإصلاح ذات البين وتوحيد الصفوف ونبذ التعصب ليست وليدة اليوم وليست ردة فعل لحدث معين وإنما هي عقيدة راسخة عند المدرسة اﻹباضية الأصيلة، فلو تتبعنا تاريخ هذه المدرسة منذ ظهورها إلى يوم الناس هذا لوجدناها من أوائل المدارس اﻹسلامية التي دعت إلى الوحدة، فقد روي عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة أنه أرسل برسالة لأهل المغرب جاء فيها: واعلموا رحمكم الله أن أحب الأمور إلى الله وإلى المسلمين وأهمها منفعة وأجمعها كلمة عند المسلمين وأصلحها لذات البين ما جمع الله به كلمة المسلمين وألف بين قلوبهم وأن أبغض الأمور إلى الله وعند المسلمين ما فرق الجمع وصدع الشعب.
… إن الأفكار اﻹقصائية والمذاهب المتعصبة للأفراد هي من أدت بنا إلى هذه الحالة من التشرذم والضعف، وأنه لا خير في كتاب بلا سنة ولا خير في سنة بلا فهم السلف الصالح، فالمسلم الفطن عليه أن يبتعد عن النزعات الطائفية، والتعصب المذهبي المقيت للرأي، وعليه الأخذ بالحق، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها، وعلى المسلم أن ينتصر للدليل ولا يتعصب للرجال.
إن الأمة اﻹسلامية بحاجة اليوم لصوت العقل والحكمة أكثر من أي وقت مضى؛ فالأزمات الراهنة وموجات العنف والقتل والتكفير التي تعيشها الأمة، إنما هي بسبب تغييب لغة الحوار وعدم الاعتراف باﻵخر.
زاهر السيابي
مقال منشور في صحيفة الرؤية العمانية يوم الخميس 23 جانفي 2014




واصلوا على الدرب يا إخوة أهل الحق والاستقامة فالكثير لا يزال يجهل الحق…..؟؟