من وحي القلمواحة المعرفة

شكرًا أيّها اللاّعبون…!!

شاهدنا جميعًا العلم الفلسطيني بجانب العلم الجزائري، رفعهما اللاّعبون الجزائريّون وهم يجوبون شوارع الجزائر العاصمة، يحيّون بهما الشّعب الجزائري، الذي استقبلهم استقبالاً كبيرًا، بعد عودتهم من البرازيل، أين شاركوا في نهائيّات كأس العالم، كان الحاضرون يحيّونهم تحيّة تقدير واحترام؛ بعد ما قد قدّموا وجهًا مشرّفًا للكرة الجزائريّة. وكان اللاّعبون يردّون التّحيّة بمثلها وبأحسن منها، يتقدّم هذه التّحيّةَ رفعُ العلمين الجزائري والفلسطيني، ليقول اللاّعبون لمستقبليهم إنّ رمزنا في عَلَمَيْنا، إنّ قوّتنا في اتّحاد علمينا، إنّ عزّتنا في عدم الإفراط في فرحة الانتصار في الكرة ونسيان قضيّتنا الأساسيّة والمحوريّة والمصيريّة في حياتنا – بصفتنا مسلمين – إنّها القضيّة الفلسطينيّة، التي لن تكتمل فرحتنا، ويتمّ نصرنا مهما كانا إلاّ بعد النّصر على أعدائنا، والانتصار لحقّنا فيها. حيّاكم الله أيّها الأبطال بهذه الرّوح العاليّة، وبيّاكم بها السّلوك الحضاري الرّصين المكين.

تُعرض على اللاّعبين منح؛ جزاءً لما قدّموا من مهارات فنيّة في ميدان الكرة، فيجيبون؛ باعتزاز وشمم وإباء: حوّلوها إلى ميدان غزّة، حيث يتفنّن المقاومون الأشاوس في الدّفاع عن هذه الأرض الغالية وكلّ الأراضي الفلسطينيّة، ماذا تنفعنا هذه المنح إذا كان إخواننا في فلسطين يعانون من المحن؟! وماذا تجدينا هذه العطايا، وإخواننا هناك يصارعون المنايا؟! ماذا يفيدنا هذا السّخاء ومجاهدونا في تلك الرّبوع يقاسون البلاء..

ماذا يعني هذا الجود وأصحابنا يفعل بهم كما فعل بأصحاب الأخدود، يصلون بالنّار ذات الوقود، وبنو جلدتهم على ما يُفعَل بهم شهود، ولا يتحركّون بل هم قعود، بل هم يشاركون في هذا التّنكيل، ويسهمون في هذا التّذليل؛ بغلق المعابر أمامهم، وتعسير التّحرّك عليهم، والتّضييق على التّنقّل والالتقاء فيما بينهم، والحرمان من أبسط حقوق العيش كسائر الخلق، ومِمّا يسدّ فيهم الرّمق..

كيف تغدق الأموال على اللاّعبين في الميدان، وتحجّر على المجاهدين الشّجعان؟! وما ينقم هؤلاء المتخاذلون من أولئك المتقدّمين في ميدان الجهاد إلاّ أنّهم عرفوا واجبهم الدّيني في مقاومة الباطل، والدّفاع عن الحقّ المشروع، وردّ كلّ ما يمسّ بالكرامة، وينال من العزّة.. قاموا وقاوموا، وتقدّموا وقدّموا التّضحيّات، فنسيهم ذوو قرباهم الأوصيّاء على شؤونهم، أصحاب القيادات في مختلف المناطق.. ولم ينسَهُم لاعبونا الأحرار، ولو بهذه اللّفتة البسيطة – لكنّها كريمة وعميقة الأثر- برفض العرض الزّائف الزّائل، وطلب تحويله إلى من هو في مضمار الجهاد الحقيقي جائل وصائل. شكرًا لكم لاعبينا هذه المكرمة، عساها تفيق من غفلة، وتوقظ من غفوة، وتقيل من عثرة، وتقيم من قعدة..

تتقدّم دولة عربيّة قريبة من ساحة النّضال في فلسطين، وتطلب إجراء مقابلة في كرة القدم على أرضها بين منتخبها والمنتخب الجزائري؛ تكريمًا له على إنجازه العظيم في البرازيل، فيرفض اللاّعبون هذا العرض، ومعه أفراد الشّعب الجزائري الحرّ الأبيّ؛ تعاطفًا مع الشّعب الفلسطيني، الذي بقي يقاوم وحده، ويناضل بمعزل عن مساندة من يقال لهم أشقّاء له، سبّبوا له الشّقاء والتّعاسة والنّكد والعلل، وأعانوا عليه العدوّ الغاصب المحتلّ؛ بغلق كلّ المنافذ أمامه، ليحرم من العيشة السّويّة، كما يعيش سائر البشر في العالم. بل تجاوزوا هذا إلى التّنكيل بهم بكلّ الوسائل للإجهاض على المقاومة.

لكنّ المؤمن بنصر الله القويّ العزيز، والمدرك لرسالته في هذا الوجود، والمتحمّل لمسؤوليّته الوطنيّة..لن يقهره أيّ سلاح، ولن يغلبه أيّ سبب، ولن يقف أمامه أي حاجز، ولن يوقف زحفه أيّ قاصف أو حاصب.. فها هي المقاومة الفلسطينيّة – اليوم – تُنزل الرّعب والفزع في قلوب الصّهاينة في عقر دارها، بصواريخها الفتّاكة، وها هي تتحدّى شعب الله المختار، والجيش الذي لا يقهر؛ بصناعة الموت له على أرضه التي اغتصبها، وها هو الشّعب الأعزل من كلّ وسيلة وسلاح يبدع ما عجزت عن فعله الجيوش العربيّة المدجّجة بكلّ الوسائل والمساعدات، فصنع طائرة من دون طيّار، لتغير وغيرها – إن شاء الله – على الأراضي المسلوبة، فلن تذر عليها -بمشيئة الله تعالى – أيّ ديّار.. حلقّت الطّائرة في أجواء العاصمة المحصّنة بأحسن التّحصينات، فحبست أنفاس الإسرائليّين، وأربكت مسؤوليهم، فأصبحوا يخبطون خبط عشواء في تدبير ما يمكن فعله لوقف هذا التّقدّم في صناعة الموت للصّهاينة. فلم تنفع التّدابير المتّخذة، ولم تنجح القبّة الحديديّة في صدّ الهجمات الصّاروخيّة؛ رغم أنّ وعيد أهل غزّة سبق موعد إرسال الصّواريخ على تل أبيب بفترة.

نفّذ التّهديد بدقّة، في الدّقيقة المحدّدة. أيّ تحدّ هذا!! أيّة ثقة هذه!! أيّ تصميم وتدبير هذا!!. يذكّرنا هذ الفعل من الفلسطينيّين، والسّقوط من الصّهاينة بقوله تعالى متحدّثًا عن أسلافهم: “وَأَنْزَلَ الذين طَاهَرُوهُمْ منَ أهْلِ الكتابِ منْ صياصيهِمْ وَقَذَفَ في قلوبهِمُ الرُّعْبَ فريقًا تقْتُلونَ وَاسِرُونَ فريقًا وأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ودِيارَهُم وأمْوالَهم وَأَرْضًا لمْ تَطَئُوها وكان الله على كلّ شيءٍ قديرًا” (الأحزاب/ 26، 27)

كما يذكّرنا هذا التّحدّي بما قاله مفدي زكريّاء عمّن سبقهم في التّنكبل بالأحرار، ولم يُحدهم كلّ ما تدرّعوا به، فرنسا العجوز بما اجترحت من خداع ومكر بالشّعب الجزائري:

جِهادٌ دوَّخَ الدّنيــــــــــــــــــا، وألْقَى **** (هنالك) في سياستهــــا اضطرابَا
وزَلْزَلَ من صَياصيها فرنســـــــــــا **** وأَوْقَعَ في حُكومتِها انقلابَــــــــــــــــــا

الرّعب والفزع ساكنان في قلوب الجبناء، والحصون مدكوكة على رؤوس الأعداء، والأرض والأموال موروثة لأهل الفداء، والنّصر قادم من ربّ السّماء. “…ولينصرَّن الله منْ يَنْصُرُهُ إنَّ الله لقويٌّ عزيزٌ” (الحجّ/ 40) أهلُ غزّة أبدعوا فروّعوا، وأفزعوا فأمتعوا، اِثّاقلَ غيرهم فأسرعوا، قعد سواهم فَهُرِعوا. زادهم الله قوّة بعد قوّة لإرهاب العدوّ، الذي تجاوز في طغيانه كلّ عتوّ.

شكرًا لكم أيّها اللاّعبون بما فكّرتم، وشكرًا لكم بما فعلتم، جزاكم الله خيرًا أن ألهمتمونا أن نكتب هذه الكلمات: ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السّمع وهو شهيد، وهو يتذكّر يوم بدر، يوم الفرقان الفاصل بين الحقّ والباطل والطّغيان، والرّافع لشأن المسلمين، والخافض لكبريّاء قريش، رفع الله شأن الفلسطينيّين، وأسقط رؤوس الصّهاينة. وعبرة لأولي الأبصار، في ذكرى فتح مكّة، الذي أعزّ الله فيه المسلمين وأذلّ المشركين. أعزّ الله في هذه المعركة الحاسمة الفلسطينيّين، وأذلّ الصّهاينة. إنّه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، هو نعم المولى والنّصير.

الجزائر يوم الأربعاء: 18 من رمضان 1435هـ الموافق: 16 من جويليّة 2014م

الدّكتور محمد بن قاسم ناصر بوحجام

المصدر: فييكوس نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى