من وحي الأحداث (1)

يستيقظ الأطفال ليتناولوا فطور الصباح… والإفطار علامة استعداد للانطلاق إلى المدرسة…
ولكن يقابلهم صوت الأم: عد يا بني إلى فراشك فاليوم لا توجد فيه دراسة…
الابن: ولكن اليوم ليس يوم عطلة…
الأم: يا بني اليوم قد تعطلت لغة العقل وحلّت مكانها لغة العاطفة… يا بني عد إلى نومك فلا أريد لك أن تخرج فتشم رائحة الحريق… وتسمع أنين المظلوم… وترى الحجارة في طريقك ولكنك لا تستطيع أن تنحني لتزيحها مخافة أن تسقط عليك حجارة أخرى… وعند خروجك ستمر بشباب تراهم يخفون وجوههم ببعض الأقمشة والرداءات…
(الابن مقاطعا) ولكن لماذا يخفون وجوههم يا أمي؟…
يخفون وجوههم لأنهم يخافون أن يعرفوا من طرف من لا يميز بين الظالم والمظلوم… ويخافون عندما يُعرَفون فإنهم إذا ابتعدوا عن أبنائهم وزوجاتهم وأمهاتهم ستدك بيوتهم بالحجارة وستفتح الأبواب من دون استئذان فالأم في المطبخ سيسقط منها الصحن والخضروات ويزيد ضغط دمها ويرتفع منسوب السكر في دمها… أما الزوجة المنهمكة مع صبيها فستحمله وتفر إلى الشارع ناسية حتى حجابها… وأما الأخت فستختبئ في غرفة أخيها الذي يعمل في مدن أخرى والذي لم يستطع أن يحضر في الوقت المناسب… بني هل فهمت سبب إخفائهم لوجوههم؟
نعم أمي بدأت أفهم قليلا… أمي… هل تسمحين لي بأن أشتري بعض الحلوى من دكان الحي…
لا يا بني نسيت أن أخبرك أن جميع الدكاكين في حيّنا قد أوصدت أبوابها فسأذهب إلى غرفة المؤونة لعلي أجد لك شيئا… ولكن أظن أن ما فيها بدأ ينفذ… فاصبر قليلاً فقد سمعت أن بعض المحسنين سيرسلوا لنا بعض الأغذية من مدن أخرى، وسيرسلوا ضمنها بعض الحلوى… فلا تقلق…
(صوت دقدقة في الباب) الأم: من الطارق؟
أنا بنت الجيران…
تفتح الأم الباب: تفضلي…
وبنت الجيران لا تتمالك نفسها لتقول: أيتها الجارة الكريمة إني قصدتك لعلي أجد عندك دواءً لجدتي التي نفذت علبة أدويتها وكما تعلمين أن الصيدليات قد أغلقت أبوابها… والطريق إلى المستشفى قد صار صعب المرور… الأم: لا تقلقي فسأبحث لك عما تحتاجين.
تسلّم الأم بعض الأدوية وتفتح الباب لتودعها… عندها تسمع حوارًا بين شابين…
الشاب الأول: ألا تعتقد بأن في الأمر تخطيطا؟
الثاني: أعتقد ذلك ولكن هذا ليس عذرًا لنتراجع إلى الوراء فلا بد علينا أن نوزع الشباب على الأحياء لنشكل شبكة إعلامية بيننا… وقد لاحظت كلما هدأت الأمور في منطقة انطلقت في منطقة أخرى…
الشاب الأول: ياترى هل يكفي عدد الشباب الموجودين في المدينة أم علينا أن نطلب المدد من إخواننا في المدن الأخرى وفي البقاع الأخرى…
الشاب الثاني: لك الحق في طلب المدد، ولكن قبل ذلك فلنفكر جيدًا فيما سيفعلونه عند وصولهم أسيعملون على تهدئة الأمور أم سيكونون سببًا في اندلاع أحداث أخرى… أنا معك فنستدعيهم بأنفسهم وأموالهم ولكن لابد من خطة لتهدئة الأمر وليس لزيادة الطين بلّة…
بدأ صوت الشابين ينخفض لأنهما قد ابتعدا عن بيت الأم وصارت لا تسمعهما… فأوصدت الباب وأطلت من النافذة لتجد الشمس قد أنارت المدينة بشعاعها… فتذكرت وقت صلاة الضحى… وبعد الوضوء وإتمام الصلاة رفعت يديها وقالت: اللهم أنت القائل: وإذا سألك عبادي عنّي فاني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون…. فاللهم فرّج همومنا وأبدل حالنا بخير حال وأطفئ نار الفتنة من قلوبنا وأرجع الأمن والأمان والعافية لبلدتنا وافتح أبواب المحبة بين قلوبنا واجعلنا سببا في إضفاء حب نهجك بين عبادك… وصل الله وسلم على الحبيب المصطفى وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ياسين بن محمد سليمان بوعصبانة
يتبع في الحلقة الثانية…



